د. جواد العناني : الزيارة الملكية التاسعة إلى الصين
لعل الحديث المنسوب إلى رسول الله محمد بن عبدالله والذي يقول اطلبوا العلم ولو في الصين هو من أكثر الأحاديث التي أثارت جدلاً لدى العلماء المسلمين حول صحة سنده وصوابيته. ولعل علماء السنة يجمعون على أنه حديث باطل ولا يوجد أي دليل أو سند مقنع لتسميته بالحديث الصحيح. ولكن جُلَّ العلماء من أهل السنة والشيعة متفقون على أنه قول شائع حسن يتناسب مع التوجيهات الإسلامية، والتي بدأت من الآية الأولى التي نزلت على الرسول الكريم "اقرأ باسم ربك الذي خلق"، والحديث النبوي المتفق عليه وهو "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة" والذي ينسجم مع الآية الكريمة في سورة طه "وقل رب زدني علماً".
ولقد استمعت خلال الأسبوع الماضي وشاهدت العشرات من الندوات المتلفزة والإذاعية وعبر وسائل الاتصال الحديثة والمقابلات والمقالات الصحفية عن زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني التاسعة إلى الصين. والتي عاد منها كما ذكرت الأنباء فجر يوم الخامس والعشرين من شهر آب (أغسطس) وهو اليوم المصادف لمولد الرسول العربي الهاشمي الأمين في هذا العام (1448) للهجرة.
ولعل أهم لقاءين لفتا نظري هو الحوار الذي جرى بين الدكتور خير ابوصعليك والدكتور بدر الماضي ضمن برنامج صوت المملكة، وقد سعى مقدم البرنامج عامر الرجوب أن يقسم الحديث إلى الثنائية الاقتصادية والسياسية، ولكن الفصل بين الأمرين لم يكن سهلاً. وتبادل الضيفان كلّ بطريقته الجوانب السياسية والاقتصادية لهذا الموضوع. وفي رأيي أنها كانت من أحسن ندوات صوت المملكة إدارة وأفكاراً. وكذلك قرأت مقالين للدكتور رعد التل من الجامعة الأردنية، وهو اقتصادي لامع وأتوقع له مستقبلاً زاهراً بإذن الله. وكانت هنالك محاولات جيدة من الدكتور عدلي قندح والسيد زيان زوانه وغيرهم، وقد كشفت كل هذه الندوات الغطاء عن أهمية الزيارة وسعت لتقديم إجابات على أسئلة تدور في أذهان الناس، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
هل كانت زيارة جلالة الملك موضع نقد مكبوت من الإدارة الأمريكية، أم أنها كانت اقتصادية بحتة لاستكمال الزيارات الملكية لدول آسيا المهمة والتي لا يمكن لبلد كالأردن إلا أن يتابعها؟
علاقتنا بالصين غير متكافئة، فهم يصدرون إلينا بمقدار 6.29 مليار دولار، بينما يصدر الأردن إلى الصين ما قدره 410 مليون دولار أمريكياً. وبمعنى آخر فإن نسبة مستوردات الأردن من الصين تقارب 22% من مجموع مستوردات الأردن، أما صادرات الأردن إلى الصين فلا تشكل سوى 2.8% من مجموع صادرات الأردن للعام 2025. فهل استخدام هذا الأمر لتبيان الفرق في تجارتنا مع الولايات المتحدة، حيث يتمتع الأردن بفائض تجاري بالمقارنة مع تجارتنا مع الصين، والتي تعاني من عجز يبلغ حوالي 6.3 مليار دولار. ولذلك، فإن مفهوم الشراكة مع الصين يجب أن يأخذ بعداً آخر يتناسب مع إمكانيات الصين ويلبي رغبات الأردن في جذب الاستثمار الخالق للوظائف والمعزز لميزاته النسبية في قواه العاملة ورأس ماله البشري، وفي موقعه الجغرافي المتميز. والذي يمكن أن يتحول من تحدٍّ للأردن إلى رصيد هائل لا يقدر بثمن.
أما النقطة الثالثة فهي ضرورة بناء المقدرة الإدارية الفعالة لتحويل الفرص إلى حقائق ملموسة على الأرض. صحيح أن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم تشكل المفتاح المطلوب، ولكن توطيد الأفكار على أرض الأردن يتطلب وضع برنامج واضح يفصل الخطوات المطلوبة ومواعيد تنفيذها وتحديد المسؤولين عن إنجازها وتهيئة البنية التشريعية المناسبة لها، وتحديد المواقع التي سيجرى فيها تنفيذ تلك المشروعات الاستثمارية. ورغم أن الحكومة، (حكومة الدكتور جعفر حسان)، تعمل بمهنية لإنجاز هذه الأمور، إلا أن وضع هذا البرنامج وتنفيذه هو دلالة واضحة على أننا نضع الجهود الملكية المباركة في إطارها الصحيح لكي لا تبقى مجرد أفكار، بل هي برامج قابلة للتنفيذ. فالملك يمكن أن يقودنا إلى الماء، ولكن ليس مطلوباً منه أن يعلمنا كيف نشرب.
أما الأمر الرابع والذي يدور في خلد المحللين والمتابعين في الأردن فهو؛ هل أثار الصينيون مشروع العطارات الذي تعثر وذهبنا به إلى التحكيم وخسرنا نحن القضية، ولا أعلم تمامًا قيمة المبلغ الذي حُكِم به علينا، والذي لن يقل عن 2 مليار دولار، والتي يمكن أن نعتبرها إضافة غير حميدة إلى حجم الدين الأردني.
ولا بد من إثارة هذه النقطة بوضوح، ويجب أن نصل مع الجانب الصيني إلى اتفاق حول المشروع، ورغم ارتفاع كلفة الكهرباء المولدة منه إلا أنه يشكل جزءًا أساسيًا من أمن الأردن في الطاقة، ولقد قامت إسرائيل مثلًا قبل أيام بتوقيف ضخ الغاز إلى مصر، ونحن لا يجوز أن نبقي حاجاتنا الاستراتيجية معلقة على التقلبات غير القابلة للتنبؤ في منطقتنا. وإسرائيل التي يهدد بعض مسؤوليها بقطع الماء والغاز عنا سوف تستخدم هذا الأمر إن أرادت أن تضغط علينا في تحدياتها السافرة داخل الضفة الغربية وقطاع غزة. ولذلك يمكن تحويل هذا المشروع(أي العطارت) إلى رصيد أردني مهم في تحررنا من الخوف من نقص الطاقة، ومن ثَمَّ نقص المياه ومن ثَمَّ تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي المعتمد على وفرة الماء والكهرباء في الأردن، ومن مصادرنا يجب أن نحرك خيالنا بقوة لكي نحل هذه الإشكالية مع الصين، وهناك نماذج كثيرة لحل هذا الموضوع بما يقلل كلفته ويوزعها بعدالة بيننا وبين الصين ويجعله مصدر أمن وطمأنينة وحماية وطنية ضد الأعداء.
أما النقطة الأخيرة التي أود إثارتها هنا؛ فهي أن الولايات المتحدة قد قالت أنها ستنفذ برنامجًا مدويًا لمحاصرة إيران اقتصاديًا، وستعاقب كل من يتعامل مع الصين لكسر ذلك الحصار. ورغم مشاركتي للناقدين لهذا الإجراء الذي صرح به وزير الخزانة الأمريكي. فإن فيه مشاكل عدة، ولكن ماذا لو قررت الولايات المتحدة أن توجه عقوبات للصين إذا لم تلتزم بالقرار الأمريكي، وماذا لو قامت الإدارة الأمريكية بالضغط علينا من أجل أن نقاطع الصين، فما هو الحل؟ أنا واثق أن صاحب الجلالة الملك عبد الله بذكائه لن تغيب عن باله هذه القضية، ولذلك يجب أن يقوم وزير الخارجية الاردني والخبير بالاتصال مع الجهات الأمريكية المختصة للتأكيد على أن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة لا يمكن أن تفصم عراها من جانبنا، ولكن علينا أن نذكر المسؤولين في واشنطن دائمًا أن كثيرًا من قراراتهم تجعلنا في الأردن ضحايا غير مقصودين لهذه القرارات، وأننا في الأردن بحاجة بحكم الموقع والحاجة التنموية والاستقرار في المنطقة أن يكون له علاقات مع شركائنا في عالم متغير وسريع الحركة.
ولذلك فإن الأردن لا يستطيع أن يفصل نفسه عن مشروع الحزام والطريق الصيني ولا عن مشروع ايميك (طريق التوابل الهندي) ولا عن مشروعات المملكة العربية السعودية لبناء سكة حديدية عبر الأردن فسوريا فتركيا فأوروبا. كلها بدائل مهمة لنا.
بارك الله في خطوات الملك وبارك الله في كل ما يسعى لإنجازه بالهمة العالية ومكّن الحكومة والمؤسسات الأردنية من النهود إلى ذلك التحدي وتحويل التراب إلى تبر بإذن الله.