اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ.د احمد منصور الخصاونة : الذكاء الاصطناعي والتعليم في الأردن .. من فرصة تقنية إلى مشروع وطني

أ.د احمد منصور الخصاونة : الذكاء الاصطناعي والتعليم في الأردن .. من فرصة تقنية إلى مشروع وطني
أخبارنا :  

لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة تنتمي إلى المستقبل، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها التعليم. فهذه التكنولوجيا لا تضيف أدوات جديدة إلى المدارس والجامعات فحسب، وإنما تدفعنا إلى إعادة التفكير في طريقة التعلم، ودور المعلم، ومهارات الطالب، وطبيعة الوظائف التي ينتظرها الخريجون.


وتكمن أهمية الذكاء الاصطناعي بالنسبة للأردن في أنه يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لتطوير التعليم وتعزيز تنافسية الإنسان الأردني. غير أن الاستفادة منه لا ينبغي أن تقتصر على شراء التقنيات أو إدخال التطبيقات الذكية إلى المؤسسات التعليمية، بل يجب أن تكون جزءًا من تحول أوسع في فلسفة التعليم وأساليبه وأهدافه.


لقد تغيرت علاقة الإنسان بالمعلومة. ففي الماضي كان الوصول إليها يمثل تحديًا أساسيًا، أما اليوم فأصبح الحصول على إجابة أو معلومة ممكنًا خلال ثوانٍ. ولذلك لم تعد مهمة التعليم الأساسية هي حفظ المعلومات واسترجاعها، بل أصبحت تتمثل في بناء القدرة على التفكير النقدي، والتحليل، والتحقق من المصادر، وحل المشكلات، وتوظيف المعرفة في إنتاج أفكار جديدة.


وهذا التحول يفرض مراجعة أساليب التدريس والتقييم. فالاعتماد على الواجبات والتقارير التقليدية وحدها لم يعد كافيًا في ظل قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص ومحتوى متكامل بسرعة كبيرة. والمطلوب ليس منع الطالب من استخدام هذه الأدوات، وإنما تعليمه استخدامها بصورة مسؤولة، بحيث تصبح وسيلة للتعلم والتحليل وتطوير الأفكار، لا بديلًا عن التفكير والجهد الشخصي.


كما أن دور المعلم والأستاذ الجامعي سيتغير، لكنه لن يتراجع. فكلما أصبحت الآلة أكثر قدرة على تقديم المعلومات، ازدادت أهمية الإنسان في التوجيه، وطرح الأسئلة، وتطوير التفكير، وربط المعرفة بالواقع. ومن هنا، فإن نجاح التحول الرقمي يتطلب استثمارًا موازيًا في تدريب المعلمين وأعضاء هيئة التدريس وتأهيلهم للتعامل مع بيئة تعليمية جديدة.


ويمتد التحدي إلى سوق العمل. فالشهادة الجامعية، رغم أهميتها، لم تعد وحدها كافية لضمان النجاح المهني. فالاقتصاد الحديث يحتاج إلى خريج يمتلك المعرفة، لكنه يمتلك معها مهارات التواصل، والعمل الجماعي، والتعلم المستمر، والتعامل مع التكنولوجيا، والقدرة على الابتكار وحل المشكلات. ولذلك يجب أن تصبح الجامعات أكثر ارتباطًا بالقطاع الخاص، من خلال التدريب العملي، والمشروعات المشتركة، وتطوير البرامج وفق احتياجات سوق العمل.


ومن القضايا المهمة أيضًا مستقبل اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من استمرار تفوق الإنجليزية من حيث حجم المحتوى الرقمي والبيانات المتاحة، فإن قدرات الأنظمة الذكية باللغة العربية تتطور بصورة ملحوظة. وهنا تبرز فرصة للأردن والجامعات العربية للاستثمار في المحتوى العلمي العربي، وقواعد البيانات، ومعالجة اللغة العربية، وتطوير تطبيقات تخدم البيئة العربية واحتياجاتها التعليمية.


ولكي تتحول هذه الفرصة إلى مشروع وطني، يحتاج الأردن إلى رؤية متكاملة للذكاء الاصطناعي في التعليم، تشمل تطوير المناهج، وبناء المهارات الرقمية، وتحديث البنية التحتية، ودعم البحث العلمي والابتكار، وحماية البيانات، ووضع أطر واضحة للاستخدام الأخلاقي، إلى جانب تعزيز الشراكة بين الحكومة والجامعات والقطاع الخاص.


كما يجب أن تقاس النتائج بالأثر الحقيقي، وليس بعدد الدورات أو المنصات والتطبيقات. والمؤشرات الأهم هي تحسن تعلم الطلبة، وارتفاع جاهزية الخريجين، وزيادة فرص العمل، ونمو البحث التطبيقي، وارتفاع عدد المشاريع الابتكارية والشركات الناشئة.


إن الذكاء الاصطناعي ليس تهديدًا للتعليم، ولا حلًا سحريًا لمشكلاته. إنه أداة تعتمد نتائجها على طريقة استخدامها. وإذا أحسن الأردن استثمارها، فقد تتحول من تحدٍ جديد إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء منظومة تعليم أكثر مرونة، وإنتاج خريج أكثر قدرة على المنافسة، واقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والابتكار.


والسؤال اليوم ليس: هل سيدخل الذكاء الاصطناعي إلى التعليم الأردني؟ فقد دخل بالفعل. السؤال الأهم هو، هل سنكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون، أم سنبني تجربة أردنية تجعل من الذكاء الاصطناعي وسيلة لصناعة المعرفة وتطوير الإنسان؟




مواضيع قد تهمك