م. عامر البشير : النور الذي أيقظ الإنسانية
في ذكرى المولد النبوي الشريف: حين تصبح المحبة صدقاً وعدلاً ورحمة
في كل عام، حين تحلّ ذكرى المولد النبوي الشريف، أجد أن السؤال الأهم ليس: كيف نحتفل؟ بل: ماذا بقي فينا من المعنى الذي جاء به النبي محمد، صلى الله عليه وسلم؟
فالذكرى لا تكتسب قيمتها من كثرة ما نقوله فيها، وإنما من قدرتها على إيقاظ ما قد تخفيه مشاغل الحياة في داخلنا؛ الرحمة والصدق والشعور بمسؤوليتنا تجاه الآخرين.
وُلد النبي في مكة، لكن أثر مولده تجاوز حدود المكان. جاء إلى عالم أنهكته العصبيات والحروب، وكانت القوة فيه تصنع الحق في نظر كثيرين، ويُعرَّف الإنسان بقبيلته وماله وموقعه. وفي ذلك الواقع القاسي بدأت رسالة رجل واحد، ثم غيّرت نظرة الناس إلى الله، وإلى أنفسهم، وإلى من يعيشون معهم.
كان التحول عميقاً، وإن بدت فكرته بسيطة: الإنسان لا يستمد كرامته من اسمه أو نسبه، ولا يصبح أفضل من غيره لأنه أكثر مالاً أو نفوذاً. قيمته فيما يعمل، وفي الأثر الذي يتركه، وفي قدرته على التمسك بالعدل عندما تميل به المصلحة. وهكذا انتقل الميزان من امتياز القبيلة إلى مسؤولية الفرد، ومن الخضوع للبشر والأهواء إلى عبادة الله وحده.
الرحمة التي لا تعني الضعف
يصف القرآن الكريم رسالة النبي بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
ولطالما توقفت عند كلمة «للعالمين»؛ فهي تفتح دائرة الرحمة على اتساعها، فلا تجعلها وقفاً على جماعة أو زمان، وتدعونا إلى أن نرى الإنسان قبل تصنيفه، وأن نفهم حاجته قبل أن نحكم عليه.
لم تكن الرحمة في السيرة موقفاً عاطفياً عابراً، ولا تنازلاً عن العدالة. كانت فهماً أعمق لها؛ تردّ الحق، وتحاول في الوقت نفسه إصلاح ما أفسده الظلم. أُوذي النبي، وطُرد من وطنه، وفقد أعزاءه، لكنه لم يسمح للألم بأن يصنع في قلبه قسوة تشبه قسوة من آذوه. وعندما عاد إلى مكة منتصراً، دخلها بتواضع القادر الذي لم تهزمه نشوة القدرة.
هذا المعنى نحتاج إليه اليوم. فالقوة ليست في أن يستطيع الإنسان إيذاء خصمه، وإنما في أن يملك القدرة ثم يضبطها. والقوي حقاً ليس من يخشاه الناس، بل من يأمنون جانبه، ويثقون بأنه لن يستعمل موقعه أو ماله لإهدار حقوقهم. عندها يلتقي العفو بالمسؤولية، ويصبح اختياراً أخلاقياً لا علامة عجز.
الإنسان قبل اسمه
وقف النبي إلى جانب الفقير واليتيم والغريب، ومنح الذين عاشوا على هامش مجتمعهم مكاناً في قلب الجماعة الجديدة. لم يكن ذلك عملاً خيرياً محدوداً، بل تغييراً جذرياً في طريقة النظر إلى الناس. فالضعف لا ينتقص من قيمة الإنسان، والقوة ليست شهادة على صلاح صاحبها، والمال أمانة قبل أن يكون امتيازاً.
ومع ذلك، ما زال عالمنا يتعثر أمام هذه الحقيقة. فما زلنا نزن البشر أحياناً بأسمائهم وجنسياتهم ومواقعهم، ونصغي إلى صاحب النفوذ أكثر مما نصغي إلى صاحب الحق. وقد نحتفي برسول الرحمة، ثم نعبر في حياتنا اليومية بجوار محتاج أو مظلوم أو عامل تأخر أجره، من دون أن نتوقف أمام هذا التناقض.
ومن خلال سنوات عملي في الشأن العام، ازددت يقيناً بأن الأخلاق لا تعيش في الخطب وحدها. تظهر في معاملة ينتظرها مواطن، وفي قرار يستطيع مسؤول أن يجعله أكثر عدلاً، وفي حق يجب ألا يتوقف على واسطة أو معرفة.
وتظهر الأخلاق أيضاً في طريقة تخطيط مدننا. فالمدينة لا تصبح رحيمة بجمال شوارعها وحده، بل بقدرة الطفل والمسن وذوي الإعاقة على استخدامها بأمان، وبمدى احترامها لوقت الإنسان وكرامته.
لهذا لا أرى العمران حجراً وإسفلتاً فقط؛ فهو صورة واضحة عن أولويات المجتمع. عندما تصل الخدمات بسهولة إلى القوي، ثم تتعثر عند باب الضعيف، لا تكون المشكلة إدارية فحسب، بل أخلاقية أيضاً. وعندما يتحول المنصب إلى امتياز، أو يصبح المال العام مساحة مباحة للنافذين، نكون قد ابتعدنا عن جوهر الأمانة مهما بدت الشعارات جميلة.
المعركة التي تبدأ من الداخل
تعلّمنا السيرة أن إصلاح المجتمع يبدأ من مكان لا تستطيع القوانين الوصول إليه دائماً: ضمير الإنسان. هناك تقع المعركة الحقيقية؛ عندما يتصارع الغضب مع الحِلم، والمصلحة مع الواجب، وحب الظهور مع الرغبة الصادقة في فعل الخير.
ولعل أصنام عصرنا لم تعد من حجر. قد يكون الصنم مالاً يوجّه القرار، أو منصباً يوهم صاحبه بأنه فوق الناس، أو تعصباً يحجب عنا الحق إذا جاء على لسان من نختلف معه.
وحين قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، أعاد الفعل إلى منبعه الداخلي. فقد تتشابه الأعمال أمام الناس، لكن قيمتها تختلف باختلاف القصد. وهذا ما يجعل بناء الضمير ضرورة لا تعوضها كثرة الأنظمة؛ فالقانون العادل يستطيع من يبحث عن ثغراته أن يفرغه من مضمونه، والمؤسسة الجيدة قد تفسد إذا أُديرت بعقلية الغنيمة.
ولذلك لم تكن المدينة المنورة مجرد محطة للهجرة. فيها بدأت القيم تتحول إلى نظام اجتماعي، والإيمان إلى مسؤولية، والرحمة إلى تكافل. أصبحت الولاية أمانة، والحقوق مسؤولية مشتركة، والسوق مجالاً لا ينبغي أن يحتكره الأقوياء.
وما زال هذا الفهم صالحاً لمساءلة مؤسساتنا اليوم: هل تخدم الإنسان أم ترهقه؟ وهل تحمي حق من لا يملك واسطة أو صوتاً مرتفعاً؟
محبة تُرى في السلوك
نعيش اليوم وسط تدفق لا يتوقف من الكلام. نكتب بسرعة، ونحكم بسرعة أكبر، وقد تهدم إشاعة سمعة إنسان قبل أن يجد فرصة للدفاع عن نفسه. لذلك أصبحت مسؤولية الكلمة وجهاً معاصراً من وجوه الاقتداء؛ أن نتثبت قبل النشر، وألا نجعل الاختلاف مبرراً للإهانة، وأن ندرك متى يكون الصمت أكثر نزاهة من المشاركة في الأذى.
والاحتفال بالمولد لا يكتمل بالمدائح وحدها، على جمالها. يكتمل عندما تتحول المحبة إلى سلوك يومي: أن نصدق حين يبدو الكذب أسهل، ونؤدي الأمانة في غياب الرقابة، ونعتذر إذا أخطأنا، ونعطي العامل حقه، ونصون كرامة الفقير، ونرفع ظلماً نستطيع رفعه.
استحضار السيرة ليس هروباً إلى ماضٍ جميل، بل استعانة بنوره لفهم الحاضر. جاء النبي إلى عالم لم يكن مثالياً، ولم ينتظر اكتمال الظروف حتى يبدأ. بدأ بكلمة صادقة، وبعدد قليل من المؤمنين بأن الخير ممكن.
وفي ذلك ما يبدد شعورنا بالعجز؛ فقد يبدأ الإصلاح من موقف صغير لا يراه كثيرون، لكنه يمنع خطأ، أو ينصف إنساناً، أو يفتح باباً ظل مغلقاً.
وفي كل عام، يعود المولد كأنه سؤال شخصي لكل واحد منا: هل صرنا أكثر صدقاً لأننا نحب النبي الصادق؟ وهل اتسعت رحمتنا لأننا نحتفي برسول الرحمة؟
لا تكفي الإجابة بالكلمات؛ حياتنا هي التي تجيب.
وُلد النبي، صلى الله عليه وسلم، مرة في مكة، لكن شيئاً من رسالته يستطيع أن يولد فينا كل يوم؛ عندما ينتصر العفو على الانتقام، والأمانة على المنفعة، والتواضع على غرور الموقع، والرحمة على القسوة.
وخير ما نفعله في ذكرى مولده أن نجعل وجودنا أخفّ على الناس، وأكثر عدلاً، وأصدق أثراً. عندها لا تبقى الذكرى يوماً في التقويم، بل تصبح فرصة لميلاد الضمير من جديد.
فالنور قد يبدأ من قلب واحد، لكنه إذا صدق، يستطيع أن يبدد عتمة عالم بأكمله.