حراك نقابي لسد الفجوة بــيــن الإيــرادات والـنـفــقــــات
كتب: إيهاب مجاهد
يترقب المتقاعدون والمشتركون في صناديق تقاعد النقابات المهنية بحذر التعديلات المرتقبة على قوانين وأنظمة صناديقهم، وسط مخاوف متزايدة من انعكاس الأوضاع المالية الصعبة التي تواجهها بعض الصناديق على قدرتها المستقبلية في الوفاء بالتزاماتها تجاه المتقاعدين، في وقت تتجه فيه نقابات عدة إلى إعادة تقييم أوضاع صناديقها من خلال الدراسات الاكتوارية وإعادة هيكلة الاستثمارات ومراجعة أنظمة التقاعد.
وتأتي هذه التطورات في ظل اتساع الفجوة بين الإيرادات المتأتية من الاشتراكات والاستثمارات، والنفقات المتزايدة للرواتب التقاعدية، ما أدى إلى ظهور عجز مالي في عدد من الصناديق، بعدما كانت صناديق التقاعد النقابية تعد من التجارب الناجحة في مجال التكافل الاجتماعي والاستثمار وتأمين دخل للمهنيين بعد انتهاء سنوات العمل.
ولم تعد تداعيات الأزمة مقتصرة على صناديق التقاعد، بل امتدت إلى بقية الصناديق والخدمات النقابية، بعدما كانت بعض صناديق التقاعد تشكل مصدرا للسيولة التي تساعد في تمويل الخدمات التي تقدمها النقابات لمنتسبيها، في حين أصبحت بعض الصناديق في الوقت ذاته بحاجة إلى موارد إضافية لتغطية التزاماتها.
وأمام هذه التحديات، لجأت نقابات إلى إجراءات إصلاحية شملت رفع سن التقاعد، وزيادة الاشتراكات، وإعادة النظر في آليات احتساب الرواتب والمنافع، فيما وصلت الأزمة في بعض الحالات إلى عدم القدرة على صرف كامل الرواتب التقاعدية أو صرفها بنسب متفاوتة، الأمر الذي جعل ملف الاستدامة المالية لصناديق التقاعد يتصدر أجندة العمل النقابي.
ووفقا لنقباء نقابات مهنية، تنتظر عدة نقابات نتائج الدراسات الاكتوارية التي أجرتها أو تعكف على استكمالها، باعتبارها الأساس الذي يمكن أن تستند إليه القرارات المتعلقة بمستقبل صناديق التقاعد.
ومن المنتظر أن تحدد هذه الدراسات حجم الالتزامات المستقبلية، ومصادر الإيرادات، وأعداد المشتركين والمتقاعدين، ومدى كفاية الاشتراكات والعوائد الاستثمارية، إلى جانب السيناريوهات الممكنة لمعالجة الاختلالات المالية.
وتكتسب هذه الدراسات أهمية خاصة كونها ستحدد مسارات الإصلاح المقبلة، سواء لناحية سن التقاعد أو قيمة الاشتراكات أو آليات احتساب الرواتب والمنافع، إضافة إلى سياسات الاستثمار وإدارة أصول الصناديق. ولذلك، تبدو التعديلات الجوهرية على أنظمة التقاعد في عدد من النقابات مرتبطة بصورة مباشرة بما ستخلص إليه الدراسات الاكتوارية من نتائج وتوصيات.
نقابة المهندسين
وتبرز نقابة المهندسين في مقدمة النقابات التي تواجه تحديات كبيرة في هذا المجال، في ظل عجز صندوق التقاعد عن الوفاء بكامل التزاماته المالية تجاه المتقاعدين، فيما تنتظر النقابة نتائج الدراسة الاكتوارية العاشرة التي أجريت بالتعاون مع المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، تمهيدا للمفاضلة بين عدد من السيناريوهات الإصلاحية.
وكشف التقرير السنوي لصندوق التقاعد لعام 2025 عن فجوة تمويلية تقدر بنحو 1.6 مليار دينار حتى نهاية العام، نتيجة التزامات متراكمة وضغوط مالية ممتدة على مدى سنوات، ما دفع النقابة إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات لحماية أصول الصندوق وتعزيز استدامته، شملت الفصل المالي والإداري بين صناديق النقابة، ووقف توليد الذمم المالية بين صندوق التقاعد وبقية الصناديق، إضافة إلى تجميد الاقتراض البنكي لتغطية الرواتب التقاعدية.
كما شكلت النقابة لجنة توجيهية لصندوق التقاعد انبثقت عنها فرق عمل متخصصة تولت تقييم الأصول العقارية، واستقطاب الفرص الاستثمارية، وإعادة هيكلة الأصول، وتدقيق محفظة القروض، ودراسة المشاريع المتعثرة، إلى جانب مراجعة التشريعات وإجراء التحليلات الاكتوارية وتعزيز التواصل مع الهيئة العامة.
وفي موازاة ذلك، وافقت الهيئة المركزية الاستثنائية للنقابة على حزمة من التعديلات المقترحة على قانونها، تمهيدا لعرضها على الهيئة العامة الاستثنائية، بهدف تعزيز الاستدامة المالية ومنح كل صندوق شخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة، بما يعزز استقلالية إدارته وتنظيم أوضاعه المالية.
وتأتي هذه الخطوة قبل البدء بإجراءات تعديل نظام التقاعد، في ضوء توصيات الهيئة العامة لصندوق التقاعد بالفصل بين صناديق النقابة، وإلغاء إلزامية الاشتراك في الصندوق، وتخفيض قيمة الاشتراكات على المهندسين الشباب، بما يخفف الأعباء المالية عنهم، ويسهم في الوقت ذاته في تعزيز وضع صندوق التأمين الصحي.
نقابة الأطباء
وفي صندوق تقاعد نقابة الأطباء، تتواصل جهود الإصلاح في ضوء قناعة النقابة بأن الأزمة نتجت عن تراكمات طويلة، أبرزها الخلل في آلية احتساب الرواتب وضعف العوائد الاستثمارية. وتعمل النقابة على خطة إصلاحية تقوم على تحسين عوائد الاستثمار، واستحداث شريحة أساسية للحد من أعداد المستفيدين مستقبلا، وإجراء تعديلات جوهرية على نظام الصندوق.
وتشير النقابة إلى أن الإجراءات التي طبقت خلال العامين الماضيين انعكست إيجابا على الوضع المالي، إلا أن استكمال الإصلاح لا يزال مرتبطا بإقرار التعديلات المقترحة، في وقت تواصل فيه النقابة مساعيها للوصول إلى حلول جذرية تضمن استدامة الصندوق وحماية حقوق الأطباء.
نقابة أطباء الأسنان
أما نقابة أطباء الأسنان، فتؤكد أن صناديق التقاعد تواجه تحديات متراكمة ترتبط بصورة أساسية بالمعادلة الاكتوارية لاحتساب الرواتب التقاعدية مقارنة بالاشتراكات والعوائد، إلى جانب ارتفاع أعداد الأعضاء المجمدة عضويتهم أو المشطوبين، وضعف الالتزام بدفع الاشتراكات، ومحدودية كفاءة الاستثمار خلال فترات طويلة.
وبدأت النقابة إجراءات إصلاحية شملت إعداد دراسة اكتوارية وتعديلات على نظام الصندوق، إلى جانب العمل على إعادة الأعضاء المجمدة عضويتهم وتنشيط الاستثمار، بانتظار ظهور النتائج النهائية لهذه الإجراءات لتقييم أثرها الفعلي على استدامة الصندوق.
نقابة الصيادلة
وفي نقابة الصيادلة، يمثل صندوق التقاعد والتأمينات أولوية استراتيجية، مع توجه نحو الاستفادة من الخبرات الوطنية، وفي مقدمتها المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، لدراسة واقع الصندوق وسبل تعزيز استدامته المالية.
وتعمل النقابة على تطوير أنظمة التقاعد والتأمين الصحي بما يجعلها أكثر استدامة وملاءمة لتطلعات الهيئة العامة، مع التأكيد على عرض نتائج الدراسات والسيناريوهات الإصلاحية بشفافية أمام المنتسبين.
الفصل بين صناديق التقاعد والصناديق الخدمية
وفي المقابل، ما تزال بعض الصناديق النقابية أكثر استقرارا من غيرها، فيما اتجهت نقابات أخرى إلى تصفية صناديق التقاعد لديها، الأمر الذي يعكس تفاوت قدرة النقابات على إدارة هذه الصناديق والتعامل مع التغيرات في أعداد المشتركين والمتقاعدين، ومستويات الاشتراكات، والعوائد الاستثمارية.
ويبرز في هذا السياق ملف الفصل بين صناديق التقاعد والصناديق الخدمية، باعتباره أحد أبرز التحولات في النموذج المالي للنقابات المهنية. فالفصل المالي والإداري، الذي يهدف أساسا إلى حماية أموال المتقاعدين ومنع انتقال العجز من صندوق إلى آخر، يعني في المقابل أن الصناديق الخدمية ستكون مطالبة بتأمين مواردها بصورة مستقلة لتمويل الخدمات المقدمة للمنتسبين.
وقد ينعكس هذا التحول على انتظام بعض الخدمات النقابية، خصوصا في الحالات التي كانت فيها صناديق التقاعد تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في دعم الصناديق الخدمية، بما فيها الخدمات الصحية والاجتماعية والمهنية. ومع توقف هذا الدعم أو الحد منه، ستحتاج النقابات إلى مصادر تمويل مستقلة ومستدامة لضمان استمرار الخدمات بالمستوى المطلوب.
ومن هنا، فإن نجاح عملية الفصل بين الصناديق لا يقاس فقط بقدرتها على حماية صندوق التقاعد من الاستنزاف، وإنما أيضا بقدرة الصناديق الخدمية على الاستمرار في أداء دورها دون تحميل المنتسبين أعباء إضافية أو التأثير على مستوى الخدمات التي اعتادوا الحصول عليها.
وتضع هذه المعادلة النقابات أمام تحد مزدوج، فمن جهة، عليها حماية حقوق المتقاعدين الحاليين وضمان استدامة الرواتب المستقبلية، ومن جهة أخرى الحفاظ على قدرتها على تقديم الخدمات التي تشكل جزءا أساسيا من دورها تجاه المنتسبين.
وفي ظل انتظار نتائج الدراسات الاكتوارية، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل صناديق التقاعد النقابية، إذ ستتقاطع نتائج هذه الدراسات مع قرارات الفصل المالي بين الصناديق، وإعادة هيكلة الاستثمارات، وتعديل أنظمة التقاعد، وتحديد مصادر تمويل الخدمات النقابية.
ويبدو أن الإصلاح لم يعد خيارا مؤجلا، إلا أن نجاحه سيبقى مرهونا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين حماية حقوق المتقاعدين، وعدم تحميل الأجيال الشابة أعباء تفوق قدرتها، وضمان استمرار الخدمات النقابية، بما يحافظ على فلسفة التكافل التي قامت عليها صناديق التقاعد المهنية منذ تأسيسها.
ــ الدستور