اسماعيل الشريف : إيران تنتظر الانتخابات
يعتقد الأمريكيون أن زيادة الضغط على إيران ستدفعها إلى تقديم تنازلات لم تكن يومًا جزءًا من الاتفاق. بيسنت وهيغسيث خارج مستواهما بكثير. توقفوا عن انتظار أن تقوم هذه المجموعة المضحكة بإخراج أرنب من القبعة وتنظيف الفوضى التي صنعتموها - محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني.
في مقالتي المنشورة يوم أمس السبت، والتي حملت عنوان «أرقام»، اختتمت المقالة بعبارة مفادها أن إيران تراهن على استمرار إغلاق مضيق هرمز لإضعاف الرئيس الأمريكي في انتخابات الكونغرس المقررة في شهر تشرين الثاني المقبل.
وقد وجدت أن من حق القارئ أن أحاول توضيح هذه الفكرة، ولذلك سأعمل في هذه المقالة على التوسع في شرحها وتبيان أبعادها.
تحاول إيران تكرار ما فعلته عام 1980، حين احتجزت 52 أمريكيًا في طهران لمدة 444 يومًا، و كان أحد الأسباب التي أدت إلى خسارة الرئيس جيمي كارتر انتخابات الرئاسة في ذلك العام في شهر تشرين الثاني. وفي الشهر الذي تلاه، توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق، إلا أن إيران أبقت على احتجاز الرهائن لمدة ستة أسابيع إضافية، لسبب وحيد هو الحرص على ألا يظهر الرئيس كارتر أمام عدسات الكاميرات برفقة الرهائن، في مشهد زاد من اذلاله.
تم إطلاق سراح الرهائن في 20 كانون الثاني 1981، بعد دقائق قليلة من انتهاء الرئيس الجديد ريغان من أداء القسم الرئاسي، حيث نُقل الحدثان مباشرة عبر شاشة مقسّمة، ليشاهد الأمريكيون المشهدين في وقت واحد.
وها هي إيران اليوم تلعب اللعبة نفسها؛ فكما انتظرت انتخابات الرئاسة عام 1980 وأسهمت في إطاحة الرئيس كارتر، فإنها هذه المرة تنتظر انتخابات الكونغرس بهدف إضعاف الرئيس ترامب. لذلك، فإن عبارة: إيران ترفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات، تحتاج إلى إعادة صياغة لتصبح: إن إيران ترفض الجلوس اليوم إلى طاولة المفاوضات، بانتظار انتخابات الكونغرس.
برأيي، فإن طهران تعرف تمامًا ما تفعله؛ فالوقت يشكل عاملًا بالغ الأهمية. إذ يمر عبر مضيق هرمز خُمس نفط العالم، وإغلاق المضيق يعني ارتفاع أسعار النفط، وهو ما ينعكس مباشرة على الناخب الأمريكي، حيث يُعد سعر البنزين من أكثر القضايا تأثيرًا عليه. وقد وصلت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ العام 2022، مما أدى إلى تراجع شعبية ترامب وارتفاع معدلات التضخم، كما أدى، ولأول مرة منذ العام 2010، إلى تحول ثقة الناخبين بشكل أكبر نحو الديمقراطيين في قدرتهم على إدارة الاقتصاد.
منذ اليوم الأول، تخوض إيران حرب استنزاف مع الولايات المتحدة. وفي حروب الاستنزاف لا تُحسم النتيجة بالقوة وحدها، بل بقدرة كل طرف على الصمود والانتظار؛ فالطرف الذي تكون تكلفة الانتظار لديه أقل هو الأكثر قدرة على الاستمرار، ومن ثم يكون في موقع أفضل للحصول على شروط تفاوضية أفضل.
وعند تطبيق ذلك على الرئيس ترامب وطهران، نجد أن تكلفة الانتظار بالنسبة لترامب تتمثل في أسعار الوقود، والتضخم، ومستوى الشعبية. وهذه المؤشرات سترافقه حتى موعد الانتخابات الذي لا يستطيع تغييره، وكل يوم يمر من دون تحسن هذه الأرقام سينعكس بصورة مباشرة على نتائج الانتخابات.
أما تكلفة الانتظار بالنسبة لطهران، فتُقاس بحجم الأضرار التي قد تلحق بها، وهي بلا شك أضرار كبيرة جدًا، لكنها لا ترتبط بموعد انتخابي محدد؛ إذ لا توجد انتخابات قادمة يمكن أن تؤدي إلى تغيير في السلطة السياسية.
لذلك، يمكن القول إن طهران تستغل ورقة الانتخابات الأمريكية، وترفض التخلي عنها كما هو الحال مع أوراق الضغط الأخرى التي تمتلكها، بهدف تحسين شروط التفاوض.
ــ الدستور