اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عبد الله محمد القضاة : الأردن بين الصين والغرب.. تنويع الخيارات أم إعادة تموضع؟

د. عبد الله محمد القضاة : الأردن بين الصين والغرب.. تنويع الخيارات أم إعادة تموضع؟
أخبارنا :  

في لحظة دولية تتبدل فيها خرائط النفوذ، وتتسارع فيها التحولات الاقتصادية والسياسية، لا يمكن قراءة زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين بوصفها محطة بروتوكولية في مسار العلاقات الثنائية؛ فهي تحمل دلالة أوسع، وتعبّر عن إدراك أردني عميق بأن حماية المصالح الوطنية تتطلب توسيع الشراكات وتنويع الخيارات، وتعزيز القدرة على الحركة في عالم مضطرب ومتعدد الأقطاب.

 

الأردن لا يذهب إلى بكين بحثاً عن بديل للغرب، ولا يتعامل مع علاقته بالصين باعتبارها مناورة على حساب شراكاته التاريخية مع الولايات المتحدة وأوروبا. فالدبلوماسية الواقعية لا تُدار بمنطق «إما أو»، بل بمنطق المصالح المتبادلة والفرص المتاحة. والانفتاح على الصين لا ينتقص من عمق العلاقة مع الغرب،كما أن الشراكة مع الغرب لا ينبغي أن تغلق أبواب التعاون مع الشرق.

تكمن أهمية الزيارة في أنها تؤكد أن الأردن لا يغيّر بوصلته، بل يوسّع هامش خياراته. فالصين قوة اقتصادية وسياسية وازنة، فيما تعيد الأزمات المتلاحقة تشكيل النظام الدولي، وتدفع الدول الصغيرة والمتوسطة إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات، تحمي مصالحها، وتمنحها قدرة أكبر على التفاوض والمناورة وبحكم موقع الأردن الجغرافي، ومحدودية موارده، وحساسية محيطه الإقليمي، فإن تنويع الشراكات ليس ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة وطنية.

غير أن قيمة العلاقة الأردنية الصينية لا ينبغي أن تُقاس بعدد الاتفاقيات أو بحجم الوعود الاستثمارية وحده. السؤال الأهم هو: كيف تتحول هذه العلاقة إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الأردني؟ إن التركيز على الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والسياحة والتجارة والاستثمار يفتح فرصة لإعادة تعريف الشراكة على أساس الإنتاج والتصدير ونقل المعرفة، لا على أساس استيراد المزيد من السلع أو انتظار استثمارات عابرة.

المطلوب استثمارات صينية تبني مصانع قابلة للاستمرار، وتخلق فرص عمل نوعية، وتنقل التكنولوجيا وتؤهل الكفاءات الأردنية، وتفتح الأسواق أمام المنتجات المصنّعة في المملكة. فثمة فرق جوهري بين مشروع ينتهي أثره بانتهاء تنفيذه، واستثمار يؤسس لصناعة أردنية قادرة على المنافسة والنمو والتصدير.

سياسياً، تقول الزيارة إن الأردن يريد حضوراً فاعلاً في عالم متعدد الأقطاب، من دون التفريط بثوابته أو علاقاته الراسخة. وهذه ليست سياسة تناقض، بل سياسة مصالح؛ وليست إعادة تموضع، بل توسيع لمساحة الحركة. فالأردن، وإن كان صغيراً في الجغرافيا، ليس صغيراً في تأثيره وموقعه السياسي.

لذلك، فإن معيار النجاح لن يكون في عدد البيانات المشتركة، بل في قدرة الدولة على تحويل علاقاتها الدولية إلى قوة اقتصادية وسياسية ملموسة تخدم المواطن وتحمي القرار الوطني. الأردن لا يبحث عن حليف بديل، بل عن خيارات أوسع، وشراكات أكثر فاعلية، ومساحة أكبر لخدمة مصالحه الوطنية من دون تغيير ثوابته.


مواضيع قد تهمك