د. محمد بزبز الحياري : معركة الوعي .. أُم المعارك
نعم انها ام المعارك..انها المعركة التي تُعبِد وتُمهد الطريق للتقدم والنهضة، وللانتصارات الآتية، والامة التي لا تخوضها اولا وتنتصر بها، تحكم على نفسها بالجمود، وتحكم على معاركها القادمة مع الغير بالفشل..
معركة الوعي هذه ليست بين أشخاص او دول، وإنما معركة ضد الجهل، والوهم، والتضليل، والخوف من السؤال؛ انها معركة من أجل أن يصبح العقل شريكا فاعلا في صنع القرار، لا مجرد تابع له..
في معركة الوعي لا يخاف العدو من المتعلم، لانه سيُوَظفه، ولا يخاف من المثقف لانه سيُقنعه، لكنه يخاف من الواعي لانه سيفضح المؤامرة، ولأن الواعي هو من يقول للشعب.. انهض.
المتعلم يصدق التقرير والمثقف يناقشه، لكن الواعي يسأل من الذي كتب التقرير؟ ومن الذي ذُكِر في التقرير ومن لم يُذكر؟، المتعلم يعالج اعراض المرض، المثقف يكتب عنه اطروحة، في حين ان الواعي يبحث عن الذي وضع السم في البئر ليقدمه للمحاسبه، وفي ذات السياق فالمتعلم يستهلك الاعلام والمثقف يعلق عليه، اما الواعي فيسأل، من الذي يملك الاعلام ويوجهه؟ ولماذا يعطيني هذا الخبر الان ؟ ويحجب ذاك الخبر؟.
الامة بدون وعي هي اقرب للقطيع في نهج التفكير والسلوك، ففي القطيع الكثرة دائما على حق، حتى وان كانت تمشي نحو الهاوية، والفرد في القطيع يتنازل عن عقله طواعية مقابل احساس زائف بالامان، فيصبح جبانا بالتفكير، شجاعا بالهجوم على من يفكر.. القطيع لا يؤذي الواعي لانه على خطأ، بل "يقتله" احيانا لانه يحاول ان يوقظه، فالجهل مريح والوعي مؤلم.
ٱلاحظ كثرة الحديث عبر وسائل الاعلام وفي الندوات والمؤتمرات الفكرية عن الوعي، واصبح من المصطلحات المكررة في معظم الندوات التي تناقش الهم الوطني، وحتي عند التعرض لهموم الفرد، يأتي ذكر الوعي تلقائيا، وكنت اعتب على المحاضرين من عدم الوقوف مليا عند تناول هذا المصطلح و تعريفه، لاني اشعر ان "الوعي" يطرح بشكل جاف، ويدور في فلك وهمي منفصل عن الواقع وأرضية التنفيذ والبناء.. إذ يجب تعريفه اولا وتعميمه، قبل توظيفه فكريا دون فهم معناه ومقاصده وآلية بناؤه.
الوعي، هو قدرة الانسان على أن يدرك نفسه اولا... ماذا يحدث داخلك؟، افكارك مشاعرك دوافعك نقاط القوة والضعف، ولماذا افكر بهذه الطريقة؟ ولماذا اتصرف هكذا؟، ثم يدرك ماحوله ويفهم ما يحدث، وبناء عليه يختار موقفه وسلوكه على اساس هذا الادراك والفهم، وليس مجرد رد فعل عشوائي او نمطي، ثم تأتي القدرة على الوعي بالآخر ليدرك اختلاف الاخرين في التفكير والمصالح، وبالتالي يدرك اثر قراراته على الاخرين، وان يربط الحرية الفردية بالمسؤولية تجاه الآخر فلا يرى العالم من موقعه ومن منظاره فقط....ثم يتوسع الوعي ليشمل الواقع ليميز بين الحقيقة والوهم، والمصلحة والشعار، والمعلومة والشائعة، والواقع كما هو، أو الواقع كما نرغب أن يكون، اما الوعي في الحياة العامة، فهو الاكثر اهمية لان الانسان غير الواعي يتحول بسهولة الى متلقي للشائعات وضحية لها، أو تابع( للقطيع) وضحية للتضليل.. وأرقى أنواع الوعي، هو الوعي النقدي المسؤول، حين يكون الوعي هو القدرة على مسائلة الافكار والمسلمات، حتى التي اعتدنا عليها( دون المس بجوهر الثوابت) فالواعي لا يسأل فقط ماذا قيل، بل يسأل من قال؟ ولماذا قيل؟، ولصالح من؟، وما الدليل؟..
يحدث احيانا الخلط بين المعرفة والوعي، فقد يمتلك الإنسان معرفة كثيرة دون وعي، فعندما تجيب المعرفة عن سؤال: ماذا أعرف؟ يضيف الوعي، ماذا تعني هذه المعرفة؟ وكيف أستخدمها؟ وما أثرها؟ وهذا اهم من المعرفة بحد ذاتها، ولهذا قد يكون الإنسان متعلمًا، لكنه غير واعي، وقد يكون محدود التعليم لكنه يمتلك وعيًا عميقًا بالحياة والناس والواقع، لذلك يمكن القول ايضا ان الوعي ليس أن ترى ما يحدث فقط، بل أن تفهم ما وراء الحدث، وأن تعرف موقعك منه، وأن تملك القدرة على اتخاذ موقف مستقل ومسؤول تجاه الحدث..
كل هذا وغيره لا يعني شيئا ان لم تكن معركة الوعي مؤطرة بالاخلاق، فمن دون الأخلاق، يتحول الوعي إلى أداة للهيمنة والتضليل ولا تضمن اتجاه مسيرته، لذلك يحتاج الوعي إلى منظومة قيم تضبط استخدام القوة والمعرفة والحرية..
اما بالنسبة للثوابت وجوهرها، فالوعي ليس ضدها كما يتوهم اعداء الوعي، حيث يتسترون خلفها كدرع وتحصين للخطاب المرتجف، وفي هذا الصدد من المهم التفريق بين الثوابت وبين طريقة فهمنا لها.، فالثوابت الدينية والوطنية والقيمية هي مصدرًا للقوة والاستقرار، لكن الواعي الحقيقي لا يستخدمها لإغلاق باب السؤال، وإنما يستخدمها لبناء إنسان قادر على التفكير والحوار والنقد والإصلاح، فالثبات في القيم لا يعني باي حال من الاحوال جمود التفكير في مظاهرها، ونقد السلوك الفردي للمؤمنين بها .
من وعي الفرد الى وعي الأمة
إن بناء الوعي هو في جوهره بناء للإنسان، وبناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لبناء وعي الأمة، فالأمة لا تمتلك وعيًا مستقلًا عن أفرادها، والوعي الجمعي هو حصيلة وعي الأفراد والمؤسسات والثقافة والإعلام والتعليم والذاكرة التاريخية، وهنا تنتقل القضية من سؤال، كيف أجعل الإنسان واعيًا؟ إلى سؤال أكبر، كيف نبني مجتمعًا لا يكافئ الجهل والتعصب والانفعال، بل يكافئ المعرفة والعقل والمسؤولية؟ وهذا يتطلب تعليمًا يبني العقل لا الذاكرة، ويتطلب إعلامًا يفسر الأحداث بدل أن يكتفي بصناعة ردود الأفعال وترويجها، يبني ثقافة تسمح بالاختلاف وتحمي حق السؤال، يبني مؤسسات تحترم القانون وتربط المسؤولية بالشفافية والمحاسبة، وخطابًا دينيًا ووطنيًا يرسخ القيم دون أن يحولها إلى حصانة ضد النقد، وتاريخًا يُقرأ للتعلُم وللمستقبل، لا لتقديس الماضي أو جلد الذات، نريد وعيًا بالمصلحة الوطنية والقومية يجعل الأمة قادرة على رؤية العالم من موقع المبادر، لا المتلقي.
ان الامة الواعية ليست الامة التي تتوهم أنها تعرف كل شيء، وإنما الامة التي تعرف ما الذي لا تعرفه، وتعرف كيف تسعى اليه، وتعرف كيف تميز بين عدوها وصديقها، وبين مصلحتها الحقيقية والمصلحة التي تُقدَّم لها على أنها مصلحتها، وهنا يصبح الوعي جزءًا من الأمن الوطني والقومي؛ لأن الأمة التي لا تنتج وعيها بنفسها، سيعمل الآخرون على إنتاجه نيابة عنها بالطريقة التي يريدوها وبما يخدم اهدافهم.
وختاما نقول
لا تُبنى نهضة الأمة قبل أن يتحول الإنسان من متلقٍ للأفكار إلى صانعٍ لها، ومن مستهلكٍ للأحداث إلى قارئ لأسبابها، ومن متفرجٍ على التاريخ إلى مشاركٍ في صناعته....
لا تبنى نهضة الامة وتقدمها الا بالنصر بمعركة الوعي.
افلا يفقهون
افلا يتفكرون
افلا يعقلون
افلا يشعرون