تـمكيـن المنتـفعيـن.. الطريق الأمثل للاستقرار الاجتماعي
عمّان – ماجدة أبو طير
يعدّ برنامج التمكين الاقتصادي الذي ينفذه صندوق المعونة الوطنية أحد أهم البرامج التي تتجاوز المفهوم التقليدي للرعاية الاجتماعية المقتصر على تقديم الدعم المالي المباشر، نحو بناء قدرات الأسر المستفيدة وتزويدها بالمهارات والفرص اللازمة لتأمين مصدر دخل مستدام. ويكمن جوهر هذا التوجه في إعادة صياغة دور الفرد من متلقٍ سلبي للمساعدة إلى عنصر فاعل ومنتج في العجلة الاقتصادية.
ويرتكز هذا التحول نحو التمكين الاقتصادي على تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني؛ ما يفتح آفاقاً واسعة أمام أبناء الأسر المستفيدة للانخراط في سوق العمل الفعلي.
من خلال دراسة احتياجات السوق المحلية وتوجيه برامج التأهيل والتدريب نحو المهن الأكثر طلباً، يضمن صندوق المعونة الوطنية تحويل المعونة المالية المؤقتة إلى جسر عبور آمن نحو وظائف دائمة ومستقرة تكفل حماية الأسر من التقلبات الاقتصادية.
الحموري: كسر سلسلة الفقر
حول ذلك، قال أستاذ الاقتصاد د. قاسم الحموري إنّ برنامج التمكين الاقتصادي في غاية الأهمية، حيث تتجلى القيمة الحقيقية لمنهجية التمكين الاقتصادي في قدرتها على كسر سلسلة الفقر والحد من ظاهرة الاعتماد الدائم على المساعدات الحكومية، فمن خلال ربط المستفيدين من صندوق المعونة الوطنية ببرامج التدريب المهني، والتشغيل المباشر، ودعم المشاريع الإنتاجية الصغيرة والمتناهية الصغر، يستطيع أفراد الأسر إيجاد بدائل اقتصادية ثابتة تُغنيهم تدريجياً عن المعونات النقدية، مما يضمن لهم الكفاية الذاتية ويدعم الاستقرار الاجتماعي.
وبين الحموري أنّه بالإضافة إلى الآثار الاقتصادية المباشرة، يسهم هذا المسار في تعزيز مفهوم «الاستقلال المادي» وما يرافقه من تحسين لمستوى المعيشة وفي ذات الوقت يتيح للصندوق إعادة توجيه موارده المالية المحدودة ونقل الدعم إلى الفئات الأشد حاجة وغير القادرة كلياً على العمل، ككبار السن وذوي الإعاقة، بما يرفع من كفاءة برامج الحماية الاجتماعية ويعزز التنمية المستدامة.
وذكر الحموري أن الصندوق تمكن من تدريب أكثر من 1200 منتفع، وتشغيل أكثر من 3 آلاف مستفيد عبر منصة سجل التابعة لبرنامج التشغيل الوطني، ما أدى بخروج أكثر من 1500 أسرة نهائيا من برنامج المعونات الشهرية وفقاً لأحدث البيانات.
كما ينعكس التمكين الاقتصادي إيجاباً على الاقتصاد الوطني ككل، إذ يسهم في تقليل العبء المالي الواقع على الموازنة العامة للدولة من خلال تقليص الفاتورة المخصصة للدعم النقدي المباشر. وفي المقابل، يتحول المستفيدون السابقون إلى طاقات إنتاجية تسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وتدفع عجلة النمو الاقتصادي، مما يخلق بيئة مجتمعية قائمة على الإنتاجية وتكافؤ الفرص بدلاً من الاتكالية والاحتياج الدائم.
أبو حمور: تحول بنيوي في حياة الأفراد والمجتمع
خبيرة علم الاجتماع د. شروق أبو حمور قالت إن الانتقال بالأسر المنتفعة من مظلة الرعاية والاتكالية إلى فضاء الإنتاج والاعتماد على الذات عبر التشغيل والتدريب، لا يمثل مجرد خطوة اقتصادية، بل هو «تحول بنيوي» في حياة الأفراد والمجتمع.
وأشارات أبو حمور إلى أنه من واقع الممارسة الميدانية والخبرة الطويلة في الإرشاد والتوجيه والتمكين فإن التمكين الحقيقي لا يكتفي بتوفير فرصة عمل أو تدريب مهني بحت، بل يجب أن يتزامن جنباً إلى جنب مع تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية. فالشخص المستهدف يحتاج أولاً إلى بناء ثقته بنفسه، وتطوير مهارات إدارة الضغوط، والتواصل الفعّال، ومرونة مواجهة التحديات وصعوبات العمل.
وبينت أبو حمور، وهي مستشارة تطوير المهارات الاجتماعية، أن حصيلة ومجموع هذه المهارات (الاجتماعية والنفسية والمهنية) هي السلاح الحقيقي والاستثمار الأذكى الذي لا يمكن لأي فرد أن يندم يوماً على استثماره في نفسه؛ فهي التي تحول الإنسان من مستهلك متلقٍ للمساعدات إلى طاقة إنتاجية فاعلة، قادرة على التخطيط، والصمود، وصنع القرار.
وأشارت أبو حمور إلى أنه عندما يتحقق هذا التمكين المتكامل لشخص واحد، فإن أثره لا يقف عند حدود الفرد، بل يمتد لينعكس إيجاباً على أسرته بأكملها، فيحمي الأبناء، ويقلل من الضغوط النفسية والنزاعات الأسرية المرتبطة بالبطالة والعوز، لننتقل تدريجياً نحو أسر منتجة ومجتمع أكثر استقراراً ومنعة.
وقالت إن بناء «الإنسان المنتج» يبدأ من إعادة ترميم شعوره بالقيمة الذاتية والقدرة على الإنجاز، فكثير من التحديات التي تواجه الأسر في دائرة الحاجة لا تتعلق فقط بنقص الموارد المالية، بل بغياب الدافعية والشعور بالإحباط الناتج عن العجز.
لذلك، أكدت أننا عندما ندمج التدريب المهني ببرامج الدعم النفسي والاجتماعي، فإننا نمنح الفرد المفتاح الحقيقي لاستعادة دوره القيادي داخل أسرته، ليصبح قدوة لأبنائه، ومثالاً حياً على أن العمل والاجتهاد هما المسار الأضمن لصناعة مستقبل مستقر وكريم.
ــ الدستور