اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. زباد الزعبي : أنا ومحمد صلاح وديون الجامعة

د. زباد الزعبي : أنا ومحمد صلاح وديون الجامعة
أخبارنا :  

ليس بيني وبين الرياضة ودّ، بل إنني لا أستطيع إجبار نفسي على مشاهدة مباراة على مدى يزيد على عشر دقائق. وأنا لا أفهم كيف تستطيع الملاعب أن تتحول إلى مسرح يشدّ إليه ملايين البشر، ولا أفهم كيف يحصل لاعب يركض وراء كرة صغيرة على ملايين الدولارات.

 

لقد قضيت نصف قرن في التعليم، في المدارس والجامعات، وكتابة الأبحاث والمقالات، وتأليف الكتب، لكنني لا أعرف على وجه الدقة ماذا يفعل الإنسان بسبعة عشر مليون يورو في السنة. وقد يكون هذا جهلًا مركبًا مني بالحياة وبالمال. ربما يشتري بها بيوتًا ومزارع وطائرات وسفنًا، وربما يشتري جزيرة، ويضع عليها لافتة كبيرة: "ممنوع دخول الأساتذة".

خبر عاجل جعلني أضرب أخماسًا بأسداس: نادي كرة القدم في طرابزون التركية سيدفع لمحمد صلاح راتبًا سنويًا يبلغ 17 مليون يورو.

توقفت عند الرقم طويلًا. سبعة عشر مليون يورو!

لست أدري ماذا سيفعل محمد صلاح بهذه الملايين، لكنني لا أعرف ماذا أفعل بهذا المال. أنا الأستاذ الجامعي الذي قضى نصف قرن في التعليم والبحث والتأليف. لو أعطيتني سبعة عشر مليون يورو وآلة حاسبة، لأمضيت بقية العمر في محاولة معرفة ماذا أفعل بها. وأصل إلى نتيجة متوقعة: أنني لا أعرف.

خطرت ببالي فجأة ديون جامعتي، مئة مليون يورو. كيف؟

قلت: لماذا لا نبحث عنه؟ أقصد عن محمد صلاح. أو خمسة مثله يستطيعون سداد المديونية.

لدينا كلية للتربية الرياضية التي تقبل طلبة وفق قدراتهم ومواهبهم الرياضية. نريد خمسة فقط لسداد المديونية، والباقي ليتمتع بها القوامون على الأمر وفق القوانين والأنظمة.

فكرت في كتابة خطاب إلى عميد كلية التربية الرياضية. قلت: اكتشفت حلًا لمشكلة عجزت عنها الخطط والاستراتيجيات واللجان والاجتماعات والمؤتمرات والاحتفالات والهوشات. ثم قلت: لعل العميد لا يأخذ الأمر بجدية. ففكرت في الرئيس؛ فهو يستطيع، بحكم موقعه، أن يقول للعميد: «نريد خمسة "محمد صلاحات"، وبأسرع وقت ممكن».

تساءلت بيني وبين نفسي:

لماذا تصر الجامعة على الاحتفالات والدعوات والمناسبات، ولا تصر بالقدر نفسه على اكتشاف المواهب العظيمة التي تخرجها من كروبها وديونها؟

لماذا ننفق الوقت والجهد في الوقوف خلف الميكروفونات، وتخريج آلاف من حملة الكرتونات المزخرفة، ولا نشغل أنفسنا بالعثور على عقل استثنائي، أو عالم لامع، أو مخترع يمكن أن يغير حياة الناس والجامعة والبلد؟

ولماذا نُرهق الأساتذة بنشر أبحاث لا يقرأها في كثير من الأحيان إلا صاحبها، وربما بعض مريديه التائهين، أما الزملاء فمشغولون بأمور كثيرة تحول بينهم وبين القراءة، فهم مشغولون بالبحث عن نشوة بحث لم يكتبوا فيه حرفًا، لأن غيرهم أضاف أسماءهم إليه بعلمهم أو دون علمهم، وأن البحث مقبول للنشر في مجلة علمية أجنبية محكّمة. وهم يسارعون إلى نشر كتاب القبول على صفحاتهم المضيئة، وشكر المجلة التي لا يعرفونها.

لا يجوز لجامعة أن تخسر وفيها العقول الجبارة التي تملأ قاعاتها ومدرجاتها وشوارعها ومختبراتها. لا يجوز لجامعة تكشف عن المواهب في كل حقول المعرفة أن تخسر. لا يجوز لجامعة أن تخسر إلا إذا أدمنت حفلات لتخريج حملة شهادات بدل الكشف عن موهوبين وعلماء يخدمون البلد والناس، وتجعل اختراعاتهم الجامعة ثرية حدّ البطر.

خمسة لاعبين فقط يسدّون مديونية الجامعة، أما الذين يحلبون الجامعة ولا يقدمون علمًا أم سلوكًا يليق به وبها، فمكانهم هناك.


مواضيع قد تهمك