م. احمد الغزو : عمّان لا تحتاج إلى جلد الماضي .. بل إلى إنقاذ الحاضر
صباح اليوم، قرأت مقال الأستاذ الدكتور طارق سامي خوري، بعنوان: «إلى رئيس لجنة أمانة عمّان الجديد السيد الملكاوي: عمّان بحاجة إلى استعادة شبابها».
وقرأت المقال باهتمام، ووجدت فيه كثيرًا من الملاحظات التي لا يمكن تجاهلها، بل إن بعضها يحتاج فعلًا إلى نقاش جاد.
لكنني توقفت عند سؤال واحد، وأعتقد أن من حقنا أن نسأله:
إذا كانت عمّان قد شاخت، وإذا كانت أمانة عمّان قد هرمت، وإذا كانت هذه المشكلات موجودة منذ سنوات… فأين كان هذا الصوت؟
لماذا لم نسمع هذه الصرخة بالوضوح نفسه عندما كان المسؤول السابق على رأس الأمانة؟
ولماذا تظهر بعض الأصوات بأعلى درجات القوة بعد أن تتغير الوجوه وتغادر المواقع؟
أنا لا أقول ذلك دفاعًا عن أحد، ولا رغبة في فتح دفاتر الماضي، وإنما لأنني أؤمن أن العدل في العمل العام يبدأ من عدالة التوقيت.
والأستاذ خوري ليس شخصية عابرة في المشهد العام؛ فقد كان رئيسًا لنادي الوحدات، والوحدات ليس مجرد نادٍ رياضي، بل هو جزء مهم من ذاكرة عمّان ومجتمعها وحراكها الشعبي والتجاري والاجتماعي.
ومن يملك هذا الحضور والتأثير يستطيع أن يرفع صوته عندما يرى الخلل، وأن يقول كلمته في وقتها.
ولهذا فإن السؤال يبقى مشروعًا:
لماذا الآن؟
أما اليوم، فقد جاء رئيس جديد للجنة أمانة عمّان.
المهندس أحمد الملكاوي.
وهنا أقولها بصراحة:
لا يجوز أن نضع على مكتبه في اليوم الأول ملفات ثماني سنوات، ونطالبه بأن يدفع ثمنها.
فالرجل ليس غريبًا عن الأمانة.
هو ابن هذه المؤسسة، وعمل فيها، ويعرف شوارعها وموظفيها ودوائرها ومشاكلها.
ويعرف قبل غيره من يعمل ومن لا يعمل، وأين توجد الطاقات المعطلة، وأين توجد مواطن الخلل.
ولهذا فإن رسالتي اليوم ليست إلى رئيس اللجنة وحده، وإنما إلى كادر أمانة عمّان كله.
قبل أن نناشد المسؤول، نناشد الموظف.
قبل أن نطلب من الرئيس أن يصلح، علينا أن نسأل أنفسنا:
هل كل موظف في موقعه يؤدي واجبه كما يجب؟
الأمانة ليست رئيسًا واحدًا.
الأمانة آلاف الموظفين والمهندسين والفنيين والمراقبين والعمال.
إذا تحرك هؤلاء جميعًا بروح المسؤولية، فإنهم يستطيعون تغيير وجه العاصمة.
وإذا تعطلت طاقاتهم، فلن يستطيع أي رئيس، مهما كانت خبرته، أن يصنع المعجزة وحده.
ومن هنا أقول للمهندس أحمد الملكاوي:
أعطوا الرجل عطوته… ثم حاسبوه.
العطوة ليست إعفاءً من المسؤولية، وليست شيكًا على بياض.
العطوة تعني أن نعطيه فرصة عادلة ليعمل، ثم نراقبه وننصحه ونحاسبه.
لا نحاسبه على الماضي… بل نحاسبه على عهده.
هذه هي العدالة.
وعمّان اليوم تحتاج إلى إدارة مختلفة.
فالمدينة اتسعت، وسكانها تضاعفوا، وأعباؤها أصبحت أكبر، وأصبح معظم النشاط الاقتصادي والخدمات والمؤسسات متركزًا فيها، حتى أصبحت العاصمة تتحمل فوق طاقتها.
ولهذا فإن المطلوب من الأمانة ليس إدارة الوضع القائم فقط، بل استباق المستقبل.
نريد إدارة تنزل إلى الشارع.
نريد المسؤول أن يرى المشكلة بعينه، لا من خلال تقرير.
نريد الموظف أن يشعر أن راتبه مقابل عمل ومسؤولية.
نريد أن تتحول الطاقات المعطلة إلى قوة في النظافة، والرقابة، والصيانة، والتشجير، وتنظيم المرور، ومتابعة الأرصفة والتجاوزات.
ونريد أن تُستثمر ممتلكات الأمانة وأراضيها بطريقة ترفع قيمة المدينة وتحقق لها إيرادات مستدامة.
ولا أريد من المهندس الملكاوي أن يبدأ عهده بكثرة الاجتماعات واللجان.
أريده أن يبدأ من الشارع.
أن ينزل إلى الميدان.
أن يسمع المواطن.
أن يجلس مع العامل والمهندس والمراقب.
أن يعرف أين ينجح الموظف وأين يتعثر.
أن يكافئ من يعمل، ويحاسب من يقصر.
وإذا احتاج إلى قرار جريء، فليتخذه.
وإذا احتاج إلى تغيير، فليُجرِه.
فالمواطن لا يريد خطبًا عن تطوير عمّان.
المواطن يريد أن يرى التطوير أمام بيته وفي شارعه.
وأنا، عندما أدافع اليوم عن صديقي المهندس أحمد الملكاوي، لا أدافع عنه لأنه صديقي فقط.
أدافع عن مبدأ أؤمن به:
لا تحاسبوا القادم على أخطاء من سبقه.
راقبوه من اليوم الأول.
انصحوه من اليوم الأول.
انتقدوه من اليوم الأول إذا أخطأ.
لكن أعطوه فرصة أن يثبت ماذا يستطيع أن يفعل.
فإذا نجح، سنكون أول من يقول: أحسنت.
وإذا أخفق، سنكون أول من يقول: لماذا أخفقت؟
أما أن نحكم عليه قبل أن يبدأ، فهذا ليس نقدًا، بل ظلم.
يا أستاذ خوري…
نحن نتفق معك أن عمّان تحتاج إلى استعادة شبابها.
لكن شباب المدن لا يعود بالمقالات وحدها.
يعود بالعمل، وبالإدارة، وبالرقابة، وبالقرار، وبالمحاسبة.
ولهذا أقول اليوم:
اتركوا الرجل يعمل.
واتركوا كادر الأمانة يعمل.
وارفعوا مستوى الرقابة الشعبية والإعلامية.
ثم بعد ذلك…
حاسبوا.
أما أنا، فسأبقى منحازًا إلى عمّان، وإلى المواطن، وإلى كل مسؤول أراه يعمل بصدق، مهما كان اسمه.
واليوم، أقول لصديقي المهندس أحمد الملكاوي:
أعانك الله… فالمهمة ثقيلة، لكننا ننتظر منك الكثير.
لا لأنك صديقي فقط، وإنما لأنك تملك الخبرة، ولأنك تعرف الأمانة من الداخل، ولأن أمامك فرصة لتثبت أن الإدارة تستطيع أن تتغير عندما تتغير الإرادة.
عمّان لا تحتاج من يبكي على شيخوختها…
عمّان تحتاج رجالًا يعيدون إليها شبابها.
والله من وراء القصد.
* رئيس اللجنة القطرية الاردنية لهيئة المعماريين العرب/إتحاد المهندسين العرب
* امين عام وزارة البلديات سابقا ورئيس لجنة بلدية اربدّ الكبرى سابقاً