د. اسامة غزال : النفاق حتى في مناسبة الموت: حين تغيب العبرة وتحضر المصلحة
في زمن باتت فيه القيم الأخلاقية تنهار تحت وطأة المصالح الشخصية، يبرز النفاق الاجتماعي كأحد أخطر الأمراض التي تعصف بالمجتمعات خصوصا بدول العالم الثالث منا فيها بلاد المشرق العربي عامة. ولعل أكثر مظاهره إيلاماً تلك التي تتلبس بمناسبة الموت والعزاء، حيث يفترض أن تكون لحظة صفاء روحي وتذكير بالآخرة، لكنها تتحول في أيدي البعض إلى فرصة للتملق والتقرب من المسؤولين وأصحاب الجاه والسلطة.
حيث اصبح الامر ظاهرة مؤلمة ومتكررة في مجتمعنا العربي، وهي أن المجاملة والنفاق لم يعدا يقتصران على مناسبات الفرح والمباركات بل امتدّا ليشملا حتى مناسبات الموت والعزاء. فبمجرد وفاة شخصية مرتبطة بمسؤول أوقريب لصاحب منصب، تجد زحاماً من المعلقين على صفحات التواصل الاجتماعي، يتسابقون في كتابة التعازي والمواساة. وحتى المسؤول نفسه اذا حصل ان توفي احد اقاربه وهو على راس عمله تجد المعزين من كل حدب و صوب لكن اذا تقاعد او قلت سلطته و نفوذه لم تجد من يواسيه او يشاركه احزانه او افراحه.
لكن المفارقة الأكثر إثارة للانتباه هي تلك التعليقات التي تأتي بعد تعزية يكتبها مسؤول. فحين يكتب مسؤول كلمة عزاء، تجد المئات من التعليقات و"اللايكات" و"الإعجابات"، ليس لأن الموت ألمهم أو المواساة لامست قلوبهم، بل لأن هدفهم الأساسي هو التقرب من المسؤول وإظهار الاهتمام بما يكتبه وانه اذا كتب اي شيء فهو سيد من يكتب و سيد من يقول، وكأن الموت هنا لم يعد عبرة وموعظة، بل مناسبة للتملق والنفاق الاجتماعي بأبهى صوره . والأكثر إثارة أن أغلب هؤلاء المنافقين والمتملقين هم أنفسهم من يرمون المسؤول بعيون الحسد والكراهية، ويتمنون زوال نعمته، وينتقدونه سراً، لكنهم أمامه يتشدقون بالمديح ويغدقون الهدايا ويتنافسون في إظهار الولاء.
وللاسف اصبح الفساد الأخلاقي باستسهال النفاق والتلون بالف وجه ظاهرة مجتمعية لا فردية لطالما ركز الخطاب العام على ضرورة محاربة الفساد المالي والإداري لدى المسؤولين، وهذا مطلب صحيح لا غبار عليه. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة: لماذا لا نقول يجب أن تُكافح ظواهر الفساد الأخلاقي والنفاق الاجتماعي في المجتمع؟ وكيف نطمح أن تختفي مظاهر الفساد تماماً ونحن رغم ما نملكه من أديان متأصلة وقيم وعادات وموروثات عريقة، نعاني من تفشي النفاق والكذب والتلون، ونتقن دور الضحية تارة ودور المتملق المنافق أمام المسؤول تارة أخرى؟ إن الفساد الأخلاقي لا يقل خطراً عن الفساد المالي، بل هو جذره ومنبعه. فالمنافق الذي يتقن التملق ليحصل على منصب أو مكسب، هو نفسه قد يخون الأمانة إذا اؤتمن، ويكذب إذا حدث، ويغدر إذا عاهد . إنها منظومة متكاملة من القيم المتهاوية التي تحتاج إلى وقفة جادة ومخلصة.
لقد حذر القرآن الكريم من المنافقين ووصفهم بأبلغ وصف، وجعلهم في الدرك الأسفل من النار. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145]. ويصفهم بأنهم يُظهرون خلاف ما يُبطنون: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14]. وقد حدد النبي ﷺ علامات المنافقين في أحاديث كثيرة، منها قوله: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» ، وفي رواية: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» . وهذه العلامات تنطبق تماماً على صنف من الناس يمدحون المسؤول أمامه ويذمونه خلفه، يقطعون وعوداً بالولاء ولا يفون، يخونون الأمانة التي بين أيديهم، ويخاصمون بالباطل. إنها صفات المنافقين التي حذرنا منها ديننا الحنيف، وحذرنا من صحبتهم ومخالطتهم.
إن المسؤول ليس بريئاً من هذه الظاهرة، بل هو شريك فيها أحياناً. فالمسؤول الذي يحيط نفسه بالمتملقين، ويشجع من يمدحونه ويبالغون في إطرائه، إنما يفتح الباب للنفاق ويغذيه . ومن يبحث عن مرآة تعكس له ما يريد سماعه، لا ما يجب أن يُقال، فهو يمنح النفاق بيئة آمنة للنمو، ويحول الكذب إلى عملة رائجة في سوق النفوذ. لذلك لا بد ان نوجه نداءً لكل مسؤول:
ألا ينخدع بالمنافقين، وأن يعرف أن أكثر الناس مديحاً قد يكونون أكثرهم كرهاً في السر.
أن يعمل بما يرضي الله، فيحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون، ويتقي الله باقواله و افعاله.
أن يحاول جهده ألا يظلم ولا يقهر الناس، ولا يسحق الكفاءات خاصة إذا كانت شاذة عن نهج النفاق، فمن لا ينافق هو الأجدر بأن يتم دعمه .
أن يدرك أن من يمدحه وهو يعلم أنه يظلم غيره هو شريك في الظلم والنفاق خاصة اذا كان يساعده بتبرير ظلمه.
لا بد من وقفة جادة لإعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية الأصيلة، وبناء مجتمع يقوم على الصدق والنزاهة، حيث لا مكان للمتملقين والمنافقين. لتغيير هذه الظاهرة المؤلمه لابد من العودة إلى تعاليم الدين التي تنهى عن النفاق والكذب، وإحياء الوازع الديني في النفوس. فالمسلم الذي يستشعر مراقبة الله له في كل أقواله وأفعاله، لا يمكن أن يكون منافقاً متملقاً. علما ان النفاق غالباً ما ينبع من الخوف من المسؤول أوالرغبة في الحصول على مكاسب. لذا يجب تشجيع ثقافة المواجهة البناءة والنقد الموضوعي، وخلق بيئة يشعر فيها الناس بالأمان لقول الحق دون خوف من العقاب أوالحرمان. وهذا يتم تعزيزه عندما تكون المؤسسات قوية وعادلة، وتكافؤ النزاهة وتُعاقب الفساد، فيضعف دور المنافقين والمتملقين. فالذي يحصل على حقوقه بناءً على كفاءته، لا يحتاج أن ينافق ليحصل عليها. ولكن يجدر التنويه ان فضح النفاق علناً قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث سيشعر المنافقون بأنهم مضطرون للدفاع عن أنفسهم وتبرير أفعالهم . لذا ينبغي أن يكون التصحيح من خلال آليات غير مباشرة تحافظ على كرامة الأفراد مع دفعهم لتغيير سلوكهم. اخيرا على كل منا أن يسأل نفسه: هل أنا ممن ينافقون ويتملقون؟ هل تعليقاتي على صفحات التواصل الاجتماعي صادقة أم لغرض في نفسي؟ هل أمدح المسؤولين تقرباً أم صدقاً؟ التغيير يبدأ من الداخل، ومن مراجعة النفس قبل مراجعة الآخرين .