"هرمز" والبحث عن بدائل.. هل تفقد إيران ورقة الضغط الأخيرة؟
محمد الكيالي
عمان– لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري حيوي لعبور شحنات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز أوراق النفوذ في الصراعات الإقليمية وحسابات أمن الطاقة.
ومع تصاعد التوترات المرتبطة بالمضيق واستمرار المخاوف من إمكانية تعطيل حركة الملاحة عبره، بدأت دول وشركات طاقة في إعادة النظر في مستوى اعتمادها على هذا الممر، والبحث عن خيارات بديلة يمكن اللجوء إليها في حال طال أمد الأزمة أو تحولت التهديدات إلى إجراءات فعلية على الأرض.
يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه أهمية تأمين طرق بديلة لنقل النفط والغاز، سواء عبر خطوط الأنابيب أو الموانئ البديلة أو الممرات البرية والسكك الحديدية، في محاولة لتقليص مخاطر الاعتماد على نقطة جغرافية واحدة يمكن أن تتأثر بالتوترات السياسية والعسكرية.
ورغم أن إنشاء هذه البدائل يحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل، فإن استمرار الأزمات قد يدفع نحو تسريع تنفيذها، خصوصا إذا أصبح مضيق هرمز عرضة بصورة متكررة للتهديد أو القيود على حركة السفن.
وتملك إيران موقعا جغرافيا يمنحها تأثيرا مباشرا في حركة الملاحة داخل المضيق، الأمر الذي جعل هرمز على مدى عقود ورقة إستراتيجية في الحسابات الإيرانية، سواء في مواجهة الضغوط الدولية أو خلال الأزمات الإقليمية.
إلا أن استمرار استخدام هذه الورقة قد يدفع الأطراف المتضررة منها إلى الاستثمار في بدائل تقلل من فعاليتها بمرور الوقت، بما قد يؤدي إلى تغيير طبيعة النفوذ المرتبط بالمضيق من دون أن يعني بالضرورة انتهاء أهميته.
وفي المقابل، يرى خبراء أن الحديث عن تجاوز مضيق هرمز بشكل كامل لا يزال سابقا لأوانه، نظرا إلى ضخامة حجم التجارة المنقولة بحرا عبر الخليج، وصعوبة توفير بدائل قادرة على استيعاب هذه الكميات وبالكلفة والكفاءة نفسيهما.
وبينما قد تؤدي خطوط الأنابيب والممرات البرية إلى تخفيف جزء من الاعتماد على المضيق، فإنها لن تكون قادرة بالضرورة على تعويض دوره في نقل مختلف أنواع الشحنات، ما يجعل مستقبل هرمز مرتبطا بمدى نجاح هذه البدائل من جهة، وبطبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية التي ستنشأ حول المضيق من جهة أخرى.
البدائل تتوسع
ومن هنا، قال المحلل السياسي الدكتور عامر السبايلة إن استمرار الأزمة في مضيق هرمز وإطالة أمدها يدفعان العديد من الأطراف إلى البحث عن سيناريوهات وطرق بديلة، مشيرا إلى أن العمل على هذه البدائل بدأ منذ أشهر بهدف منع تحول المضيق إلى أداة للابتزاز أو وسيلة تتيح لإيران التحكم في حركة الملاحة.
وأكد السبايلة أن عددا من الدول بدأ فعليا في مد خطوط أنابيب النفط وإنشاء مسارات بديلة، من خلال ربط موانئ بموانئ أخرى على البحر الأحمر.
وعدّ أن هذه التحركات ستؤدي تدريجيا إلى تراجع قيمة مضيق هرمز كورقة ضغط، بالتزامن مع إنشاء بدائل يمكن الاعتماد عليها في نقل الطاقة والتجارة.
تراجع إستراتيجي مرتقب
من جهته، قال الخبير الأمني والإستراتيجي الدكتور عمر الرداد إن مضيق هرمز سيبقى محتفظا بقيمته التفاوضية في المدى المنظور، لكنه رجح أن يفقد هذه القيمة على المدى الإستراتيجي، خصوصا لجهة استخدامه كورقة تفاوض.
وعدّ الرداد أن طرح مقترحات لتقسيم الممرات بين بوابة إيرانية وأخرى عُمانية وثالثة دولية قد يؤدي إلى بقاء القيمة الإستراتيجية للمضيق، لكن مع تغير وظيفته، مشيرا إلى أن إنشاء بدائل لنقل الطاقة والتجارة سيسهم بلا شك في تراجع أهميته.
وأشار إلى أن البدائل لا تقتصر على خطوط الأنابيب، بل تشمل أيضا الممرات البرية، ومنها الطريق الممتد من العراق إلى تركيا، وخط الشرق-الغرب السعودي، فضلا عن الخط البري العراقي-السوري.
ومع ذلك، أكد الرداد أن دولا مثل الكويت وقطر والبحرين ستظل بحاجة إلى مضيق هرمز، ما يعني أن التخلص الكامل من الاعتماد عليه لن يكون أمرا سهلا في المستقبل القريب.
بدوره، قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور خالد شنيكات إن مضيق هرمز سيحتفظ على الأقل في المدى القريب، بقيمته الإستراتيجية، في ظل عدم وجود بدائل فعلية قادرة على تعويض دوره بالكامل.
ولفت شنيكات إلى أنه في حال جرى مستقبلا إنشاء خطوط سكك حديدية وخطوط أنابيب لنقل النفط إلى السواحل الإسرائيلية، كما تقول إسرائيل، فمن الوارد أن تتراجع أهمية مضيق هرمز.
وأشار في الوقت ذاته إلى أن إيران، في حال تمكنت من الحصول على نفوذ في المضيق بموجب المفاوضات المقبلة، وهي التي تخوض مفاوضات واسعة مع الجانب العُماني وتضغط بقوة، قد تسعى إلى توسيع نفوذها ليشمل السكك الحديدية وخطوط النفط التي يمكن إنشاؤها مستقبلا أو تلك التي يجري الحديث عنها حاليا كبدائل لمضيق هرمز.
وأضاف إن القيمة الإستراتيجية للمضيق ترتبط أيضا بأهمية النقل البحري، موضحا أن نقل النفط عبر الأنابيب يمكن أن يوفر بديلا جزئيا، لكن حركة البضائع الضخمة التي تستوردها دول الخليج ستبقيها بحاجة إلى السفن، نظرا إلى القدرة الكبيرة للنقل البحري على حمل كميات تفوق بكثير قدرة النقل البري.
وأوضح شنيكات أن الشاحنة، على سبيل المثال، قد تحمل نحو 50 طنا، في حين تستطيع السفن نقل ملايين الأطنان ما يجعل الفارق بين وسائل النقل البرية والبحرية شاسعا، كما أن قطاع الطيران لا يستطيع عمليا القيام بالمهمة ذاتها بسبب طبيعة وحجم البضائع المنقولة.
وأشار إلى أن السكك الحديدية وخطوط أنابيب النفط يمكن أن تشكل بدائل مهمة، لكن البحر سيظل، حتى الآن، الطريق الأقل تكلفة مقارنة بالنقل الجوي أو البري.
وفي هذا السياق، لفت شنيكات إلى أن الحكومة العراقية وافقت حديثا بالتنسيق مع الجانب السوري، على تشغيل خط أنابيب النفط العراقي القديم عبر سورية، معتبرا أن هذا المسار قد يعوض جزءا من كميات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز.
وأشار إلى أن القدرة الحالية لهذا الخط على نقل النفط لا تزال غير واضحة وكذلك مدى جاهزيته للعمل، خصوصا أنه توقف عن العمل منذ فترة طويلة، وقد يحتاج إلى عمليات صيانة وتأهيل وتعديل قبل استئناف استخدامه، لافتا إلى أن الخط توقف منذ سنوات طويلة تعود، وفق ما يتذكر، إلى فترة الحرب العراقية-الإيرانية.
ــ الغد