اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد وليد محمود : المسيّرات إذ تعيد رسم مستقبل القوة العسكرية

د. خالد وليد محمود : المسيّرات إذ تعيد رسم مستقبل القوة العسكرية
أخبارنا :  

يشهد مفهوم القوة العسكرية تحولاً تاريخياً؛ فقوة الجيوش لم تعد تُقاس فقط بحجم الأساطيل أو الترسانات التقليدية، بل بقدرتها على توظيف البيانات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل في الاستشعار واتخاذ القرار. وفي قلب هذا التحول برزت الطائرات المسيّرة بوصفها أحد أهم أسلحة الحروب الحديثة، بعدما انتقلت من أداة إسناد تكتيكية إلى عنصر أساسي في رسم موازين القوة والصراع.

بيانات مؤشر السلام العالمي 2026 تكشف عن اتساع هائل في استخدام المسيّرات؛ إذ ارتفع عدد الهجمات المسجلة عالمياً من 364 هجوماً عام 2018 إلى أكثر من 42 ألفاً عام 2025، بمشاركة أكثر من 565 جهة وفصيلاً مسلحاً وجيشاً نظامياً. ولا تعكس هذه الأرقام زيادة كمية فحسب، بل تشير إلى تحول نوعي في طبيعة الحرب، حيث تتقدم الأنظمة منخفضة التكلفة، المدعومة بالبيانات والمستشعرات والبرمجيات، على كثير من المنصات العسكرية التقليدية.

إن خطورة هذا التحول تكمن في الجمع بين انخفاض الكلفة وارتفاع الفاعلية. فالمسيّرات الانتحارية الخفيفة قد تكلف مئات الدولارات، لكنها قادرة على تعطيل معدات عسكرية تقدر قيمتها بملايين الدولارات. كما أسهمت خوارزميات الاستشعار والتوجيه في تقليص الزمن بين اكتشاف الهدف وتنفيذ الهجوم من ساعات أو أيام إلى ثوانٍ في بعض العمليات. وهكذا لم يعد التفوق العسكري مرتبطاً فقط بعدد الأسلحة، بل بسرعة جمع المعلومات وتحليلها وتحويلها إلى قرار.

وفي المقابل، تدفع تقنيات التشويش والحرب الإلكترونية الجيوش إلى تطوير مسيّرات أكثر استقلالية، تعتمد على الرؤية الحاسوبية والملاحة المحلية، وقادرة على العمل في أسراب متكاملة دون الاعتماد الكامل على الاتصال الخارجي. وقد تحولت الحرب الروسية الأوكرانية إلى مختبر واسع لهذه التقنيات، مقدمة دروساً تتجاوز حدود ساحة القتال إلى مستقبل الحرب ذاتها.

لكن انتشار المسيّرات منخفضة التكلفة لا يعني بالضرورة انخفاض كلفة الحروب؛ إذ يرافق سباق تطويرها سباق آخر لتطوير وسائل اكتشافها واعتراضها وتعطيلها. ومع بلوغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.9 تريليون دولار عام 2025، تتجه استثمارات متزايدة نحو الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية ومكافحة المسيّرات. وبذلك نشأ سباق تسلح مزدوج: مسيّرات أكثر ذكاءً واستقلالية، ودفاعات أكثر قدرة وأقل كلفة.

عربياً، لا يكفي امتلاك المسيّرات، بل ينبغي بناء منظومة وطنية تجمع البحث العلمي والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات والبرمجيات والتصنيع المحلي والحرب الإلكترونية. وتؤكد تجارب دول مثل تركيا وإيران وإسرائيل أن التفوق في هذا المجال يرتبط برؤية طويلة المدى تربط الجامعات بالصناعة والمؤسسات الدفاعية.

لذلك، فإن معركة المستقبل تبدأ في المختبرات والجامعات قبل أن تصل إلى ميادين القتال. ويصبح الاستثمار في هندسة المسيّرات والأنظمة الذاتية والروبوتات وعلوم البيانات والاتصالات جزءاً من الأمن القومي العربي، لا مجرد خيار أكاديمي. فالدول التي تكتفي باستيراد التكنولوجيا ستظل رهينة لمن ينتجها، أما الدول التي تصنع المعرفة وتحوّلها إلى قدرة استراتيجية فستمتلك مفاتيح القوة في حروب المستقبل.. فماذا إذن نحن فاعلون؟.

* باحث متخصص في السياسة السيبرانية


مواضيع قد تهمك