اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

لارا علي العتوم : مساحةً للتفكير العربي في المستقبل

لارا علي العتوم : مساحةً للتفكير العربي في المستقبل
أخبارنا :  

ليست أهمية اللقاءات العربية دائماً فيما يصدر عنها من مواقف، ولا في عدد المشاركين فيها، ولا في العبارات التي تتضمنها بياناتها الختامية، فأحياناً تكون قيمتها الحقيقية في أنها تكشف، بصورة أوضح، عن حاجة المنطقة إلى طريقة مختلفة في التفكير، وعن ضرورة انتقال العلاقات العربية من الاستجابة المتأخرة للأحداث إلى القدرة على قراءة ما وراء الأحداث والاستعداد لما قد يأتي بعدها.

فاللقاء العربي الأخير الذي استضافته عمّان كان أكثر من محطة سياسية مرتبطة بتطور آني، فالمشهد العربي اليوم لم يعد يحتمل التعامل مع كل أزمة باعتبارها حالة منفصلة عن غيرها، فما يحدث في مكان قد يعيد تشكيل الواقع في مكان آخر، وما يبدو في لحظته قضية سياسية قد تتحول لاحقاً إلى مسألة اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية أو إنسانية، وهذا التشابك يفرض على العمل العربي أن يتطور بالقدر الذي تتطور فيه طبيعة التحديات.

ولا تكمن أهمية اللقاء العربي الأخير في مملكتنا الاردنية الهاشمية بأنه أضاف موقفاً جديداً إلى مواقف المنطقة وإنما لفرضه احتمال كبير بإنتقال العرب من موقع المتلقي للأحداث الى موقع اكثر تأثيرًا في تشكل مساراتها وهذا يتجاوز حدود المناسبة السياسية ويمس جوهر المرحلة التي تمر بها المنطقة العربية التي أصبحت أمام واقع تتداخل فيه الأزمات بصورة لم تعد تسمح بالنظر إليها باعتبارها ملفات منفصلة.

فالاضطراب السياسي قد يترك أثره على الاقتصاد، والضغط الاقتصادي قد ينعكس على الاستقرار الاجتماعي والأزمات الإنسانية وقد تتحول إلى تحديات أمنية، فيما باتت قضايا الغذاء والمياه والطاقة والتكنولوجيا والأمن السيبراني والمناخ جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن والاستقرار وهو ما يفرض تحولاً موازيًا في طريقة التفكير العربي، فالأدوات التي كانت تُستخدم لفهم الأزمات لم تعد وحدها كافية، والحدود بين السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي أصبحت أكثر تداخلاً وسرعة الأحداث أصبحت أكبر من قدرة المؤسسات التقليدية على الاستجابة لها، لذلك فإن قوة الموقف العربي في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بقدرته على إصدار موقف موحد، بل بقدرته على تحويل الموقف إلى مسار عمل، وإلى سياسات قابلة للاستمرار، وإلى أدوات تستطيع حماية مصالح الدول والشعوب العربية في بيئة شديدة التغير، وليس ترفاً سياسياً ان المنطقة لم تعد بحاجة للمزيد من إدارة اللحظة بقدر حاجتها إلى إدارة المستقبل، فمستقبل العمل العربي المشترك قد لا يكون في إنشاء أطر جديدة بقدر ما سيكون بإعطاء الأطر القائمة قدرة أكبر على الفعل، فالخبرة المتراكمة في مؤسسة ببلد عربي ينبغي أن تتحول إلى معرفة قابلة للتبادل بين المؤسسات العربية، والقدرة التي تمتلكها دولة في مجال معين يمكن أن تصبح جزءاً من منظومة أوسع يستفيد منها الجميع، فمسؤولية الدول العربية الأكثر استقراراً هى تحويل الاستقرار إلى قيمة إقليمية، وليس حالة داخلية فقط، فالعالم من حولنا يتغير بسرعة، ومَن لا يشارك في صياغة التحولات سيجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع نتائجها فقط.

ليُضاف الاجتماع الوزاري العربي الذي استضافته عمّان في الخامس من آب 2026 الى نجاحات المملكة باستضافة الحوار ليس كفعل بروتوكولي بل جزء من صناعة بيئة إقليمية أكثر قدرة على احتواء الاختلاف.

حمى الله أمتنا

حمى الله الأردن

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك