أ. د. عادل الهاشم : من يقود التحول الرقمي؟ الجامعات أولًا لتحقيق رؤية سمو ولي العهد
لم يعد التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي مجرد توجهات مستقبلية ننتظرها وفق رؤية سمو ولي العهد، بل أصبحا جزءًا من واقع الإدارة والتعليم والخدمات وصناعة القرار. وأمام هذا التحول المتسارع تبرز فرصة حقيقية ينبغي استثمارها بصورة مثلى وفق رؤية سمو ولي العهد في بناء جيل واعٍ رقميًا وقادر على التعامل مع الذكاء الاصطناعي في وقت تتغير فيه طبيعة العمل والمهارات المطلوبة بسرعة غير مسبوقة. غير أن نجاح هذه التوجهات لا يعتمد على تعلم التكنولوجيا وحدها بل يحتاج إلى إدارة تمتلك القدرة على فهمها وإدارتها والاستثمار فيها وتوظيفها بصورة تحقق أهداف مؤسساتنا الوطنية.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق النقاش: هل أصبحت الجاهزية الرقمية والقدرة على إدارة التحول والذكاء الاصطناعي جزءًا من معايير اختيار القيادات الإدارية والأكاديمية وتعيينها؟
المقصود هنا ليس أن يكون المسؤول مبرمجًا أو متخصصًا في تكنولوجيا المعلومات، فلكل تخصص مجاله، وإنما أن يمتلك المعرفة الرقمية التي تمكنه من فهم بيئة العمل الحديثة وإدارة أنظمة المعلومات والتعامل مع المختصين وقراءة البيانات وفهم إمكانات الذكاء الاصطناعي ومخاطره واتخاذ القرارات المناسبة في بيئة تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا.
فالقيادة التي تفتقر إلى المعرفة الإدارية والتقنية اللازمة لإدارة التحول الرقمي قد تجد نفسها تعتمد بصورة كاملة على الآخرين في فهم الأنظمة والبيانات وإن استطاعت ذلك، بينما المطلوب اليوم قيادة قادرة على طرح السؤال الصحيح وقراءة المؤشرات وتقييم النتائج ومتابعة التغيير واتخاذ القرار على أساس المعرفة.
ومن هنا تبدأ المسألة من الاختيار والتعيين، فالمؤهل العلمي والخبرة المهنية يظلان من أهم معايير اختيار القيادات، لكنهما قد لا يكونان وحدهما كافيين لبعض المواقع التي أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالبيانات والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى إضافة معيار آخر يتمثل في القدرة على فهم البيئة الرقمية ووجود قيادة إدارية متخصصة في إدارة التحول الرقمي.
وتأتي الجامعات في مقدمة المؤسسات التي ينبغي أن يبدأ منها هذا التغيير، فالجامعة ليست مكانًا للتدريس ومنح الشهادات فحسب، وإنما هي بيئة لصناعة المعرفة وبناء الكفاءات وإعداد القيادات. وكما نتطلع إلى إدارة أكثر كفاءة وقدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، فمن الطبيعي أن تكون الجامعات نموذجًا في هذا المجال قبل أن تطلب ذلك من غيرها من المؤسسات.
لذلك فإن تطوير الجامعات لا ينبغي أن يقتصر على تحديث المختبرات والمنصات والأنظمة، بل يجب أن يمتد إلى تطوير القيادات الإدارية نفسها. فالجامعة الذكية تحتاج إلى إدارة تفهم البيانات وتعرف كيف توظف التكنولوجيا وتدير التغيير وتستفيد من الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي والخدمات والقرارات الإدارية.
كما أن التحول الحقيقي يحتاج إلى بيئة مؤسسية تشجع على التعلم والتجربة وتتعامل مع الخطأ باعتباره فرصة للتصحيح والتحسين وتكافئ المبادرات التي تحقق نتائج ملموسة. فلا يمكن بناء مؤسسة رقمية بعقلية تخشى التغيير أو تتمسك بأساليب إدارية تقليدية لم تعد تنسجم مع متطلبات المرحلة.
كما إن بناء الإدارة الرقمية لا يبدأ من الأجهزة والبرمجيات وحدها، بل يبدأ من الإنسان الذي يقودها، ولذلك فإن مراجعة معاييراختيار القيادات وتأهيلها لمتطلبات العصر الرقمي اصبحت ضرورة حتمية كما أصبحت جزءًا من متطلبات بناء المؤسسات القادرة على مواكبة المستقبل.