السفير محمد الكايد : الهلال الشيعي والبدر السني
بدأ الهلال الشيعي بالأفول بعد ان تقطعت اوصاله إثر فشله في إضاءة المحيط السني رغم تفرده بالفضاء العربي لعقود. وغارت معه النجوم التي كانت تدور بفلكه ذات النور الخافت الذي لا ينير الدرب ولا يقود إلى نهاية النفق. وبات واضحا للجميع بان هذا الهلال هو هلال من ورق ضوءه خادع لا يضيء إلا نفسه تغلفه الانتهازية السياسية ويتوارى خلف شعارات تضليلية.
كان افول الهلال الشيعي حتميا نظرا لاعتماده على الأقليات والميليشيات بدل الدول والأنظمة الشرعية فيها ، وشعارات براقة اثبتت فشلها مثل محور المقاومة ووحدة الساحات والصبر الاستراتيجي ، وفقدت فيه السردية الإيرانية بريقها ومصداقيتها بين كثير من شعوب المنطقة مما فتح الفرصة امام الدول السنية الكبيرة لسد الفراغ الذي نشأ في المنطقة بالاعلان عن تحالف دفاعي بينها يهدف الى ايجاد قوة ردع عسكرية وسياسية واقتصادية ومفتوح العضوية لمن يرغب من الدول. ويحمل هذا التحالف الجديد بين يديه المطرقة السنية التي ستتصدى لاية قوة مستقبلية سواءا اتت من الشرق او الغرب وتبتغي فرض نفوذها وارادتها على المنطقة . ولا يهدف التحالف الجديد إلى الإقصاء السياسي لاي من التيارات السياسية او القومية وحتى الدينية في المنطقة بل يهدف الي اعادة التوازن الإقليمي بقيادة الأغلبية.
بالرغم من انه من المبكر الحديث عن فرص نجاح التحالف الجديد ومدى فاعليته وجديته وهل سيتمكن فعلا من حماية الدول المشاركة فيه ام سيبقى حبرا على ورق وتكتل رمزي سرعان ما يفشل عند اول تجربة له. وهل سيلاقي هذا الحلف الجديد مصيرا يشبه مصير حلف بغداد الذي مات نتيجة رفض الشعوب له. وما علاقة هذا الحلف الجديد بالأمن القومي العربي واتفاقية الدفاع العربي المشترك ومجلس التعاون الخليجي.
ويقودنا هذا التساؤل إلى ضرورة البحث في العناصر المحتملة لضمان نجاح الحلف وديمومته وماهية الخطوات التي من المفترض أن تتبع الإعلان الرسمي عن انشاؤه . كما يجب النظر إلى العوامل المحتملة التي قد تؤدي إلى إفشاله وخاصة من ناحية الميمنة وناحية الميسرة .فكيف سيتعامل مع اسرائيل التي أعلنت معارضتها للحلف الجديد ، وكيف سيتعامل مع ايران إذا ما إستمرت في اعتدائها على دول المنطقة ، وما موقف الدول الكبرى التي لها مصالح في المنطقة مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين.
ان النظرة الاولى لهذا الحلف الجديد توحي بالتفاؤل نظرا لتكامل عناصر القوة العسكرية والاقتصادية والتصنيعية بين الدول الثلاثة فالباكستان هي البيت النووي ، وتركيا بيت الصناعات والجيش الكبير والمواصفات الأوروبية، والسعودية هي بيت المال والنفط ومكة هي قبلة المسلمين . وتشترك أنظمة الحكم في هذة الدول بالواقعية السياسية والاعتدال والمحافظة على علاقات جيدة مع الدول الكبرى والمؤثرة. وانعكس هذا الاعتدال في الاتفاقية التي تم توقيعها والتي تعتبر دفاعية غير هجومية ومفتوحة لمن شاء من دول المنطقة للانضمام اليها.كما وتشكل هذه الدول امتداد جغرافي واسع من أوروبا غربا إلى الخليج العربي شرقا ومن روسيا شمالا إلى بحر العرب جنوبا وهو ما يعطيها العمق الجيوسياسي المؤثر الذي لا يمكن تجاهله.
وهناك أمر آخر يجب التنبيه اليه وهو بان الإعلان عن الاتفاقية لم يلق معارضة كبيرة ومؤثرة من قبل شعوب المنطقة بل استحسانا مشوبا بالحذر ، وبعض الملاحظات على طبيعة عمل الاتفاق وليس على المبادئ التي تضمنها. وهذا يدل على توق شعوب المنطقة إلى تكتل سياسي وعسكري واقتصادي يحافظ على حقوق المنطقة ويدافع عنها.
لا شك بان نجاح الحلف الجديد يعتمد على معطيات اكثر من مجرد الاعلان عنه. وهناك نواحي عديدة وتفصيلية يجب النظر اليها وانتظارها قبل الحكم على هذا الواقع الجديد الذي خلقته الاتفاقية. فالتنسيق العسكري والتدريبات المشتركة بين الدول ، والتنسيق الأمني والاستخباري وتبادل المعلومات ، وإقامة مركز عمليات مشتركة ، والعقيدة القتالية والتدريب والتأهيل ، وآلية حل الخلافات كلها أمور يجب التعامل معها إذا ما قدر لهذا الحلف أن ينجح.
ان الإعلان عن الاتفاقية وحده لا يكفي بل يجب أن يتبعه تفصيلات قد تفوق أهميتها أهمية الإعلان السياسي والا ستصبح الاتفاقية حبر على ورق لا قيمة لها.
إضافة إلى النواحي العسكرية والإجرائية التي يجب ايجاد آلية عمل لها ، يجب تحديد الاهداف التي يراد تحقيقها من هذه الاتفاقية. فهل تهدف الاتفاقية إلى تحقيق الردع فقط ام هناك اهداف يجب الوصول اليها من هذه الاتفاقية مثل فرض واقع جديد ونظام إقليمي جديد ياخذ في الحسبان مصالح الأغلبية التي طال تهميشها ، خصوصا وان الدول الثلاثة تمتلك المقومات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والجغرافية اضافة إلى مكون شعبي داعم. وهل الاتفاقية تهدف إلى التعامل مع الخلافات داخل البيت المسلم ام تتعداها إلى المحيط الخارجي.
لذا ، فان السؤال الذي يطرح نفسه هو هل هذة الاتفاقية تشكل النواة لإقامة نظام إقليمي جديد ام سيتم الاكتفاء بالحلف الدفاعي؟.
وماذا عن اسرائيل؟ وكيف يمكن التعامل مع عداونية اسرائيل على المنطقة وأحلامها بإقامة إسرائيل الكبرى ، علما بان العلاقة بين اسرائيل والأعضاء بالحلف تتسم بالبغض دون الوصول إلى النزاع المسلح بغض النظر عن وجود علاقات دبلوماسية أم لا. وماذا سيكون موقف الحلف لو قامت اسرائيل بعمل استفزازي عسكري او امني أدى إلى عدم استقرار المنطقة . وكانت اسرائيل قد اكدت انزعاجها من توقيع الاتفاقية واعتبرتها بداية تكتل جديد للقوى يشكل خطرا عليها مما يستدعي منها تقوية تحالفاتها مع الدول الأخرى.
وحتى يكون التساؤل اكثر وضوحا: هل سيتعامل الحلف مع الأخطار والاعتداءات التي تمثلها ايران حاليا وإغلاقها لمضيق هرمز بنفس الدرجة التي سيتعامل بها مع اسرائيل واستفزازاتها المتكررة التي تؤدي إلى عدم الاستقرار في المحيط الجغرافي الجديد الذي أوجدته الاتفاقية لنفسها؟ وماذا لو طلبت ايران الانضمام إلى الحلف في خضم حربها مع الولايات المتحدة؟ علما بان علاقات ايران مع كل من باكستان وتركيا ليست سيئة.
من جهة اخرى ، فإن الاعضاء الثلاثة في الاتفاقية يتمتعون بعلاقات جيدة مع الادارة الأمريكية الحالية مما سيسهل ايجاد معادلة تضمن عدم معارضة الولايات المتحدة لإقامة هذا الحلف. فمن المعروف ان ادارة الرئيس ترامب تطالب معظم حلفائها بتحمل تكاليف الحماية التي تقدمها واشنطن إلى حلفائها. وكرر الرئيس ترامب هذه المطالب في عدة مناسبات وخاصة من دول الخليج التي تقع في النطاق الجغرافي للاتفاقية الجديدة. فاذا ما قدر لهذا الحلف ان يأخذ بعض الأعباء العسكرية عن الولايات المتحدة وان يقوم بادوار على الارض توفر على الولايات المتحدة كلفا بشرية ومادية فانه من غير المستبعد ان يكون هناك تعاون بين الولايات المتحدة والدول الثلاثة في حفظ امن المنطقة وتوفير الردع المطلوب شريطة عدم تشكيل اي خطر او المساس بأمن
اكبر حليف للولايات المتحدة في المنطقة وهي اسرائيل.
مما لا شك فيه بان توقيع الاتفاقية الدفاعية بين اكبر الدول السنية يشكل بداية تكوين البدر السني ليأخذ مكان الهلال الشيعي. وحتى يكتمل البدر ويشع نوره على المنطقة ، يتوجب التعامل بحذر مع تحديات ومعيقات كبيرة إقليمية ودولية حتى ليخال المرء بان الطريق مزروعة بالالغام السياسية والأمنية مما قد يعيق الحركة.وستثبت الايام والأحداث الحبلى بها المنطقة جدية الاتفاقية من عدمها وهل سنرى الأمة الإسلامية تلعب دورا دوليا مؤثرا ام تكون نواة البدر السني المنتظر مجرد سراب .