د. هيفاء ابو غزالة : عقلية مستقبلية في كل وزارة
بعيداً عن بورصة الأسماء… هل نحتاج إلى وزارة للمستقبل أم إلى عقلية مستقبلية في كل وزارة؟
كلما اقترب تعديل وزاري، تبدأ بورصة الأسماء.
من سيغادر؟ من سيبقى؟ من سيدخل؟ ومن ينتقل من حقيبة إلى أخرى؟
تنشغل المجالس والصالونات ومنصات التواصل بالتوقعات، وتتسابق التسريبات، وترتفع أسماء وتهبط أخرى، حتى يبدو أحياناً أن السؤال الأهم في التعديل الوزاري هو: مَن الوزير القادم؟
لكن ماذا لو توقفنا هذه المرة أمام سؤال مختلف تماماً: ليس مَن سيأتي إلى الوزارة، بل ماذا سيأتي معه للمستقبل؟
فالدول لا تتقدم بتغيير الأسماء وحده، مهما كانت أهمية اختيار الأشخاص وكفاءتهم، وإنما بتغيير طريقة التفكير. وربما آن الأوان، ونحن نناقش الحكومات وتعديلاتها، أن نخرج قليلاً من بورصة الأسماء إلى بورصة الأفكار، وأن نسأل: أي حكومة نحتاج للسنوات المقبلة؟ وأي وزارات تستطيع أن تدير دولة تتغير حولها قواعد الاقتصاد والعمل والتعليم والتكنولوجيا بسرعة غير مسبوقة؟
ومن هنا يبرز سؤال قد يبدو غريباً للوهلة الأولى: هل نحتاج إلى وزارة للمستقبل؟
الفكرة مغرية. وزارة تنظر إلى الأمام، تدرس التحولات الكبرى، وتستشرف المخاطر والفرص، وتساعد الدولة على الاستعداد لما سيأتي بدلاً من انتظار حدوثه.
لكنني أعتقد أن السؤال الأهم هو: لماذا نحصر المستقبل في وزارة واحدة؟
فالمستقبل ليس قطاعاً حكومياً يمكن وضعه في حقيبة، ولا ملفاً يمكن إحالته إلى وزير. المستقبل يجب أن يكون حاضراً على طاولة كل وزير، وفي عقل كل أمين عام، وفي خطط كل مؤسسة، وفي كل قرار تتخذه الدولة اليوم.
نحن نعيش واحدة من أسرع لحظات التحول في تاريخ البشرية. الذكاء الاصطناعي لم يعد حديث مؤتمرات أو توقعات بعيدة، بل دخل بيوتنا ومكاتبنا ومدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا. وظائف تتغير، ومهن قد تختفي، وأخرى لم نسمع بأسمائها بعد ستولد. الطب يتغير، والتعليم يتغير، والإعلام يتغير، والاقتصاد يتغير، وحتى مفهوم الوظيفة والحكومة والخدمة العامة لم يعد كما كان.
وسط كل ذلك، هل تستطيع وزاراتنا أن تكتفي بإدارة ملفات اليوم؟
وزير التربية والتعليم، على سبيل المثال، لا ينبغي أن ينشغل فقط بالعام الدراسي المقبل، بل بالطفل الذي يدخل المدرسة اليوم: ماذا سيتعلم ليكون قادراً على العمل والحياة بعد خمسة عشر عاماً؟ وهل نعلّمه الإجابات في زمن أصبحت فيه الآلة قادرة على تقديمها خلال ثوانٍ، أم نعلّمه التفكير والسؤال والإبداع والتمييز بين الحقيقة والزيف؟
ووزير العمل لا يكفي أن تكون أمامه أرقام البطالة الحالية، بل خريطة المهن التي ستختفي وتلك التي ستولد. فما جدوى أن نؤهل آلاف الشباب لمهن قد يتراجع الطلب عليها بعد سنوات قليلة؟
ووزير الصحة عليه أن ينظر أبعد من عدد المستشفيات والأسرة، إلى مستقبل الطب الرقمي، والشيخوخة السكانية، والذكاء الاصطناعي في التشخيص، وأمن المعلومات الصحية.
ووزير الاقتصاد لا ينبغي أن ينظر فقط إلى أرقام هذا العام، بل إلى اقتصاد لم تعد ثروته في الأرض وحدها، وإنما في البيانات والمعرفة والابتكار والعقول.
ووزارات المياه والزراعة والطاقة والنقل والسياحة والثقافة والإعلام ليست بعيدة عن ذلك. فالسؤال نفسه يجب أن يدخل كل وزارة: كيف سيبدو قطاعك بعد عشر سنوات، وماذا تفعل اليوم استعداداً له؟
هذا، في تقديري، هو التعديل الأهم الذي نحتاج إليه.
تعديل لا يقتصر على الكراسي، بل يصل إلى طريقة التفكير فوق تلك الكراسي.
لقد اعتدنا أن تعمل الحكومات تحت ضغط الحاضر. أزمة تقع فنبحث عن حل، مشكلة تتفاقم فنشكل لجنة، قطاع يتراجع فنضع خطة إنقاذ. لكن العالم الجديد لا يمنح الدول دائماً ترف الانتظار. فحين تصل بعض الأزمات يكون الوقت قد فات، وحين تظهر بعض الفرص تكون دول أخرى قد سبقت إليها.
لهذا نحتاج إلى الانتقال من حكومة تدير الأحداث إلى حكومة تستبقها.
وهناك فرق كبير بين التخطيط للمستقبل والتفكير بعقلية المستقبل. التخطيط يسأل: ماذا نريد أن نحقق بعد خمس سنوات؟ أما الاستشراف فيطرح سؤالاً أكثر جرأة: كيف يمكن أن يتغير العالم خلال هذه السنوات، وهل ستبقى خطتنا صالحة عندما نصل إليه؟
والذكاء الاصطناعي يقدم لنا اليوم المثال الأكثر وضوحاً.
فلا يكفي أن تتسابق الوزارات إلى إدخال تطبيقاته وأنظمتها. السؤال الحقيقي هو: هل تغيرت طريقة العمل نفسها؟ فما الفائدة من ذكاء اصطناعي يستطيع إنجاز مهمة خلال ثوانٍ إذا دخلت نتيجته بعد ذلك في دورة إدارية تحتاج إلى أسابيع من المراسلات والموافقات؟
إن أسوأ ما يمكن أن نفعله بالمستقبل هو أن نضع أدواته في مؤسسات تعمل بعقلية الماضي.
ولهذا، قد لا نحتاج بالضرورة إلى مبنى جديد يحمل لافتة «وزارة المستقبل»، بقدر حاجتنا إلى عقل للمستقبل داخل كل وزارة؛ فرق للاستشراف تراقب التحولات المقبلة، وتضع السيناريوهات، وتدق جرس الإنذار قبل الأزمة، وتلتقط الفرصة قبل أن يسبقنا إليها الآخرون.
على أن تكون هذه الجهود مترابطة على مستوى الدولة، لأن المستقبل لا يعترف بحدود الوزارات. مستقبل التعليم هو مستقبل سوق العمل، ومستقبل المياه مرتبط بالأمن الغذائي، ومستقبل التكنولوجيا مرتبط بالاقتصاد والأمن والإعلام، ومستقبل السكان مرتبط بالصحة والإسكان والتقاعد والحماية الاجتماعية.
وفي الأردن تحديداً، يصبح هذا التفكير ضرورة لا ترفاً. فنحن دولة محدودة الموارد في إقليم شديد التقلب، وهذا يعني أن قدرتنا على التنبؤ والاستباق وحسن توظيف الموارد ربما تكون أهم من وفرة الموارد نفسها. الدول التي لا تملك هامشاً واسعاً للخطأ، تحتاج إلى أن ترى أبعد.
ولذلك، ربما يكون من المفيد أن يُطرح على كل وزير، جديداً كان أم باقياً في موقعه، سؤالان قبل عشرات الأسئلة التقليدية:
ما أهم التحولات التي ستغير قطاعك خلال السنوات العشر المقبلة؟ وماذا ستفعل اليوم استعداداً لها؟
الإجابة عن هذين السؤالين قد تقول لنا عن قدرة الوزير على قيادة قطاعه أكثر مما تقوله عشرات الصفحات من الخطط التقليدية.
نحن بالتأكيد نحتاج إلى وزراء أكفاء، وإلى اختيار الأشخاص المناسبين في المواقع المناسبة. لكننا نحتاج قبل ذلك وبعده إلى فكرة واضحة عما نريد أن تصبح عليه الدولة. فالحكومة ليست مجموعة أسماء، والتعديل الوزاري ليس مجرد عملية إحلال واستبدال، والوزارة ليست مكتباً لإدارة ما يصلها من معاملات.
إنها موقع لصناعة المستقبل.
لذلك، عندما تبدأ بورصة الأسماء في التعديل الوزاري المقبل، ربما يجدر بنا أن نتوقف قليلاً عن السؤال: مَن سيأتي؟ ومَن سيغادر؟
ولنسأل بدلاً من ذلك: من يستطيع أن يرى ما هو قادم؟ ومن يملك الجرأة ليغير اليوم قبل أن يفرض علينا الغد التغيير؟
فالأردن الذي نريده لن يصنعه اسم جديد على باب وزارة، بقدر ما تصنعه فكرة جديدة داخلها.
وقد لا نحتاج إلى وزارة للمستقبل إذا نجحنا في جعل كل وزارة وزارةً للمستقبل.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للدول ليس أن تخطئ في توقع الغد، بل أن يصل الغد إلى أبوابها… بينما لا تزال منشغلة بأسماء الأمس.