اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

القس سامر عازر : بخطى واثقة نحو العام 2030 بالهوية الثقافية والإرث الديني والحضاري

القس سامر عازر : بخطى واثقة نحو العام 2030 بالهوية الثقافية والإرث الديني والحضاري
أخبارنا :  

القس سامر عازر


لم يعد العام 2030 موعداً زمنياً بعيداً ننتظر الوصول إليه، بل أصبح محطة وطنية كبرى ينبغي أن نبدأ مسيرتنا إليها من اليوم، بخطى واثقة ورؤية واضحة، مستندين إلى ما يختزنه الأردن من إرث ديني وحضاري وثقافي وإنساني، وما يحظى به من اهتمام ملكي راسخ جعل من صون هذا الإرث وتطويره مسؤولية وطنية ورسالة تتجاوز حدود الوطن.


إن مشروع 2030، المرتبط بمرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح، يمكن أن يشكل عنواناً فارقاً في تاريخ السياحة الدينية والثقافية في الأردن، ليس فقط لما يمثله موقع عماد السيد المسيح/ المغطس، من قيمة دينية وروحية استثنائية، وإنما لما يمثله أيضاً من بوابة واسعة للتعريف بالأردن وهويته الثقافية والحضارية، وبقدرته على تقديم نموذج إنساني يقوم على التعددية والوئام والحوار والعيش المشترك.


وهنا تتجلى أهمية الاهتمام الملكي السامي بموقع المغطس وتطويره، باعتباره أحد الكنوز الدينية والحضارية التي يحتضنها الأردن، وواحداً من المواقع التي يمكن أن تحمل رسالة الأردن إلى العالم بأبعادها المتعددة. فالرؤية الملكية لا تنظر إلى الموقع باعتباره أثراً تاريخياً فحسب، ولا باعتباره مقصداً سياحياً عابراً، وإنما بوصفه جزءاً من هوية الأردن وسرديته ورسالته ومكانته على خريطة العالم الدينية والثقافية.


فالأردن لم يكن عبر التاريخ أرضاً عابرة للحضارات، بل كان أرضاً عبرت إليها الحضارات واستقرت فيها، ووطئتها أقدام الأنبياء والرسل، وشهدت أحداثاً شكلت صفحات مضيئة في التاريخ الديني والإنساني.

وعلى ضفاف نهر الأردن، في بيت عنيا عبر الأردن، تعمد السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان، ذلك النبي الذي جسّد شجاعة الكلمة وجرأة الموقف، ودفع حياته ثمناً للحق والعدالة والكرامة الإنسانية.


ولعلنا اليوم، ونحن نعيش في عالم تتزايد فيه مظاهر الانغلاق والتطرف والتمييز بأشكاله، أحوج ما نكون إلى استعادة رسالة يوحنا المعمدان في قول الحق، وإلى استعادة رسالة المسيح في المحبة والسلام والرحمة وقبول الآخر. ومن هنا فإن المغطس لا يتحدث فقط عن حدث وقع قبل ألفي عام، بل يحمل رسالة حية إلى عالم اليوم: أن الدين يمكن أن يكون جسراً لا جداراً، وأن القداسة لا تنفصل عن الإنسان، وأن الأماكن المقدسة يمكن أن تكون مساحات للسلام والحوار والتلاقي.


ومن هنا أيضاً تتقدم قيمة المغطس الدينية والروحية باعتباره قبلة للحج المسيحي العالمي؛ فالمكان ليس مجرد موقع يروي قصة تاريخية، وإنما هو المكان الذي ارتبط بحدث جوهري في حياة السيد المسيح، وقد جاءت الشواهد الأثرية والتنقيبات العلمية لتؤكد مكانة بيت عنيا عبر الأردن، مدعومة بما ورد في الكتاب المقدس، وبشهادات الحجاج والرحالة عبر القرون، وبما تحفظه خارطة مادبا الفسيفسائية من ذاكرة جغرافية ودينية تؤكد حضور هذا الموقع في الوعي المسيحي القديم.


وقد شكّل الكشف الأثري عن مكونات الموقع وما يرتبط به من كنائس وأديرة وبيت للحجاج وبرك عماد أثرية تحولاً مهماً في مسار البحث العلمي والتاريخي وعلم الآثار، ورسخ مكانة المغطس باعتباره موقعاً فريداً من مواقع الحج المسيحي في العالم. ولذلك فإن المحافظة عليه وتطويره لا ينبغي أن تُفهم فقط في إطار الاستثمار السياحي، بل في إطار الأمانة التاريخية والدينية والحضارية التي يحملها الأردن تجاه الإنسانية جمعاء.


لكن قيمة المغطس لا تتوقف عند البعد الديني والروحي. فهناك قيمة ثقافية وحضارية وإنسانية لا تقل أهمية، تجعل من الموقع منصة لتعريف العالم بالأردن، ليس فقط بوصفه بلداً يحتضن مواقع دينية مقدسة، بل بوصفه نموذجاً للعيش المشترك والتنوع والوئام بين الأديان والثقافات. وهذه واحدة من أهم الأوراق التي يمتلكها الأردن في عالم اليوم.


فالأردن، بقيادته الهاشمية، لم يتعامل مع التنوع الديني باعتباره عبئاً، بل باعتباره ثراءً وطنياً وإنسانياً. ولم ينظر إلى الحوار بين الأديان باعتباره مجرد مؤتمرات ولقاءات، وإنما عمل على ترجمته إلى ثقافة وسياسات ومبادرات ورسالة وطنية، من خلال الدعوة إلى الوئام الديني، وتعزيز الحوار، وبناء جسور التقارب بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة.


ومن هنا، فإن تطوير موقع المغطس يمكن أن يكون جزءاً من مشروع أكبر لإبراز الهوية الثقافية والحضارية للأردن، وربط المواقع الدينية والتاريخية بعضها ببعض، بحيث لا يأتي الزائر إلى الأردن لزيارة موقع منفرد، بل يعيش رحلة متكاملة في التاريخ والإيمان والحضارة.


فمن المغطس إلى جبل نيبو، ومن مادبا بخريطتها الفسيفسائية العريقة إلى قلعة جبل مكاور، ومن أم قيس والسلط وعجلون إلى البترا، تتشكل أمامنا لوحة أردنية غنية، تلتقي فيها الحضارات والأديان والجغرافيا والتاريخ. ويمكن أن تتحول هذه المواقع إلى مسارات دينية وثقافية متكاملة، تجعل من الأردن وجهة عالمية للحج والسياحة الثقافية، وتفتح في الوقت ذاته أبواباً جديدة للتنمية والاستثمار وفرص العمل في المحافظات والمجتمعات المحلية.


وهنا تكمن أهمية أن يتحول مشروع 2030 من مناسبة احتفالية إلى مشروع دولة ومشروع وطن.

وما تشكيل اللجنة الوطنية رفيعة المستوى للتحضير لهذه المناسبة سوى خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لأن المناسبات الكبرى لا تنجح بمجرد الاحتفال بها، وإنما تحتاج إلى تخطيط مبكر، وتنسيق وطني، وشراكة حقيقية بين المؤسسات الحكومية والدينية والسياحية والثقافية والإعلامية، وصولاً إلى خطة تنفيذية واضحة. فالسنوات التي تفصلنا عن 2030 ينبغي ألا تكون سنوات عمل وتطوير واستثمار وتسويق. فمن تطوير البنية التحتية إلى تحسين الخدمات المقدمة للحجاج والزوار لا بد من استراتيجية دولية اعلامية للترويج للأردن باعتباره أرض المعمودية وأرض الوئام الديني والثقافي والإنساني.


إن العالم لا يبحث اليوم عن المواقع فقط، بل يبحث عن القصص والمعاني والتجارب الإنسانية والوئام الديني. والمغطس يمتلك كل عناصر القصة: نهر الأردن، والمعمودية، ويوحنا المعمدان، والسيد المسيح، والكنائس والأديرة، والآثار، والحجاج والرحالة، وخارطة مادبا، والأردن الذي حافظ على هذا الإرث وصانه ويفتحه أمام العالم. ولذلك فإن عام 2030 يجب أن يكون مناسبة لاستعادة المكانة العالمية للأردن في السياحة الدينية والثقافية، ولكن الأهم أن يكون نقطة انطلاق لما بعد 2030.


ولقد الوصاية الهاشمية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس جزءاً أصيلاً من الدور الهاشمي التاريخي، وتنسجم في بعدها الأوسع مع صورة الأردن الذي يعتز بإرثه الإسلامي والمسيحي معاً، ويحفظ للتراث الديني مكانته، ويؤمن بأن المقدسات جزء من التراث الإنساني الذي ينبغي صونه واحترامه وإبقاؤه مفتوحاً أمام المؤمنين والزائرين.


ومن هنا، فإن المغطس يمثل ورقة أردنية دينية وحضارية وإنسانية بالغة الأهمية، ويمكن أن يكون أحد العناوين التي يقدم الأردن من خلالها نفسه للعالم: أردن الرسالة، وأردن التعددية، وأردن الوئام، وأردن التاريخ والحضارة، وأردن الذي يحول مواقعه المقدسة إلى جسور للسلام والتقارب الإنساني.


إن مشروع 2030 هو مشروع وطن قبل أن يكون مشروع مناسبة، ومشروع هوية قبل أن يكون مشروع سياحة، ومشروع رسالة قبل أن يكون مشروع اقتصاد. ومردود هذا المشروع لن يكون دينياً وسياحياً وثقافياً فقط، بل اقتصادياً وتنموياً وإنسانياً أيضاً، إذ يمكن أن يفتح فرصاً جديدة أمام الشباب، ويدعم المجتمعات المحلية، ويعزز الاستثمار، ويرفع حضور الأردن على خريطة السياحة العالمية.


لقد كان الاهتمام الملكي بالمغطس رسالة واضحة بأن كنوز الأردن ليست مجرد شواهد على الماضي، بل أدوات لصناعة المستقبل. وإن تطوير هذا الموقع التاريخي، والاستعداد المبكر لذكرى الألفي عام على معمودية السيد المسيح، يمثلان فرصة تاريخية لكي نُعرّف العالم بالأردن كما هو: أرضاً للحضارات، وموطناً للأنبياء، ومكاناً للمقدسات، وملتقى للأديان والثقافات، وأرضاً يمكن أن تلتقي فيها القلوب قبل أن تلتقي الأقدام.


ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه للعالم في 2030 ليس فقط أن نقول له: "هنا تعمّد السيد المسيح"، بل أن نقول له أيضاً: هنا يؤمن الأردن بأن الإيمان يمكن أن يصنع جسراً، وأن التنوع يمكن أن يصنع جمالاً، وأن التاريخ يمكن أن يصنع مستقبلاً، وأن المقدس يمكن أن يكون مساحة للسلام والمحبة والإنسانية.


مواضيع قد تهمك