د. صالح سليم الحموري : أوقفوا مصطلح «الموارد البشرية»
أدعو إلى إعادة النظر جذريًا في استخدام مصطلح «الموارد البشرية». ليس من باب الترف اللغوي، ولا لأننا نبحث عن مسمى إداري أكثر جاذبية، بل لأن اللغة التي نصف بها الإنسان داخل المؤسسة تكشف، بوعي أو من دون وعي، الطريقة التي نفكر بها فيه.
عندما نصف الإنسان بأنه «مورد»، فإننا نضعه لغويًا وإداريًا إلى جانب موارد أخرى مثل المال والمواد والمعدات والتقنية. وهذه كلها أصول يمكن إدارتها وقياسها وتخصيصها واستبدالها. لكن الإنسان مختلف. فهو يتعلم، ويتطور، ويبتكر، ويبني العلاقات، ويصنع المعنى، ويعيد تشكيل المؤسسة نفسها. لذلك لا يمكن اختزاله في كونه عنصرًا من عناصر الإنتاج.
تاريخيًا، يمكن فهم ظهور هذا المنطق. فقد نشأت الإدارة الحديثة في ظل الثورة الصناعية، حين كان التحدي الأساسي هو رفع الإنتاجية من خلال تنظيم الوقت والحركة وتقسيم العمل والانضباط. وكان العامل جزءًا من منظومة إنتاجية كبيرة، والمطلوب منه أن يؤدي مهمة محددة بأعلى كفاءة ممكنة.
لاحقًا، تطورت النظرة وظهر مفهوم «رأس المال البشري»، الذي اعتبر المعرفة والمهارات والخبرات استثمارًا يضيف قيمة للمؤسسة. كان ذلك تقدمًا مهمًا، لكنه ظل ينظر إلى الإنسان بدرجة كبيرة من زاوية القيمة الاقتصادية التي يمكن أن ينتجها.
اليوم، نحن أمام تحول أكبر.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تساعد الموظف على إنجاز عمله، بل أصبح قادرًا على تنفيذ جزء متزايد من المهام المعرفية: التحليل، والكتابة، والبرمجة، والتنبؤ، ودعم القرار، والتعامل مع كميات هائلة من المعلومات.
وهذا التحول يفرض علينا إعادة طرح سؤال العمل نفسه.
لم يعد السؤال فقط: ماذا يستطيع الموظف أن يفعل؟
بل أصبح: ما القيمة التي يضيفها الإنسان عندما تستطيع الآلة أن تقوم بجزء متزايد مما كان يقوم به؟
هنا تظهر أهمية القدرات الإنسانية التي يصعب اختزالها في خوارزمية: الحكم الأخلاقي، وفهم السياق، والتعاطف، وبناء الثقة، والخيال، والإبداع، وتحمل المسؤولية، والقدرة على طرح الأسئلة التي لم تفكر الآلة في طرحها أصلًا.
ولهذا أصبح مصطلح «الموارد البشرية» أضيق من الإنسان الذي نحاول وصفه.
لكن القضية أعمق من مجرد المسمى.
فالمشكلة في كثير من المؤسسات ليست في الموظفين، بل في النظام الذي يعملون داخله. قد تطلب المؤسسة من موظفيها الابتكار، ثم تفرض عليهم إجراءات معقدة. وقد تدعوهم إلى المبادرة، ثم تعاقب الخطأ. وقد تتحدث عن التمكين، بينما تحاصر القرار بسلاسل طويلة من الموافقات. وقد تستثمر ملايين الدراهم في التدريب، ثم تعيد الموظف إلى بيئة لا تسمح له باستخدام ما تعلمه.
لذلك فإن التحول الحقيقي لا يبدأ بمحاولة «إصلاح الإنسان»، بل بإعادة تصميم النظام الذي يعمل فيه.
نحتاج إلى بيئات تجعل السلوك الإيجابي أسهل، والقرار أسرع، والتعلم مستمرًا، والتجريب آمنًا، والابتكار ممكنًا. ونحتاج إلى أنظمة تقلل العوائق التي تمنع الإنسان من إظهار أفضل ما لديه، بدل أن نطالبه باستمرار بالتكيف مع أنظمة صُممت لعصر مختلف.
وهنا يكمن التحول الذي أراه ضروريًا: من إدارة البشر إلى تصميم العمل حول الإنسان.
وهذا يعني أيضًا الانتقال من إدارة الوظائف إلى تنمية القدرات.
فالوظيفة تصف ما يحتاجه التنظيم اليوم، أما القدرة فتصف ما يمكن للإنسان أن يقدمه غدًا. وفي عالم تتغير فيه المهارات بسرعة، لن تكون المؤسسة الأكثر نجاحًا هي التي تمتلك أفضل توصيفات وظيفية، بل التي تمتلك أكبر قدرة على اكتشاف إمكانات أفرادها وتطويرها وإعادة توظيفها باستمرار.
لذلك، بدل أن نسأل:
ماذا يستطيع هذا الموظف أن يفعل اليوم؟
علينا أن نسأل:
ماذا يمكن لهذا الإنسان أن يصبح غدًا؟
ومع تسارع الذكاء الاصطناعي، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحًا. فالخطر الحقيقي ليس أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً، بل أن تصبح المؤسسة نفسها أكثر آلية وأقل إنسانية؛ أن يتحول الموظف إلى رقم، والقيادة إلى لوحة مؤشرات، والأداء إلى خوارزمية، والإبداع إلى إجراء، والعلاقة بين الإنسان والمؤسسة إلى مجموعة من البيانات.
وهنا يجب أن ننتبه إلى خطأ آخر.
تغيير الاسم وحده لا يغير شيئًا.
يمكن أن نستبدل غدًا اسم «إدارة الموارد البشرية» بـ«إدارة رأس المال البشري» أو «إدارة المواهب» أو «إدارة الإنسان»، ونبقي السياسات والأنظمة والثقافة والقيادة كما هي. عندها لن نكون قد أحدثنا تحولًا، بل مارسنا تجميلًا لغويًا.
المطلوب أعمق من ذلك.
المطلوب إعادة تصميم دورة العمل الإنسانية كاملة: كيف نستقطب الأشخاص، وكيف نكتشف قدراتهم، وكيف يتعلمون، وكيف نقيس الأداء، وكيف نكافئ الإنجاز، وكيف نصمم الوظائف، وكيف نبني المسارات المهنية، وكيف نستخدم الذكاء الاصطناعي، وكيف نصنع تجربة تجعل الإنسان قادرًا على النمو وصناعة القيمة.
لهذا، فإن دعوتي إلى إيقاف مصطلح «الموارد البشرية» ليست دعوة إلى تغيير لوحة على باب إدارة أو اسم قطاع في الهيكل التنظيمي.
إنها دعوة إلى تغيير فلسفة.
فالمؤسسة التي تنظر إلى الإنسان باعتباره «موردًا» ستسأل دائمًا: كيف نستخدمه بكفاءة أكبر؟
أما المؤسسة التي تنظر إليه باعتباره قدرة متجددة وشريكًا في صناعة القيمة، فستطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا:
كيف نبني نظامًا يجعل الإنسان قادرًا على تقديم أفضل ما لديه، وعلى أن يصبح أكثر مما هو عليه اليوم؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن تقوده مؤسسات المستقبل.
وربما حان الوقت لأن نتوقف عن إدارة «الموارد البشرية»...
ونبدأ في تنمية القدرات الإنسانية.