اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

فيصل تايه : نتائج "التوجيهي" .. حين تصبح الشائعة أقوى من الحقيقة

فيصل تايه : نتائج التوجيهي .. حين تصبح الشائعة أقوى من الحقيقة
أخبارنا :  

​في الساعات القليلة الفاصلة التي تسبق إعلان نتائج الثانوية العامة، يدخل المشهد الأردني مرحلة حاسمة لا تحتمل الإرباك أو اللعب بالأعصاب.


​ولكي نضع الأمر في نصابه المؤسسي الصحيح: النتائج جاهزة ومكتملة، وما تغيّر ليس إلا توقيت إطلاقها إلكترونياً. ​هذه ليست جملة لتهدئة الرأي العام، بل هي المفتاح العلمي والتحليلي لتفكيك المشهد برمته.


​لقد أوضحت وزارة التربية والتعليم رسمياً أن قاعدة بيانات نتائج الثانوية العامة موثقة وجاهزة بالكامل، وأن إزاحة موعد إعلانها من الرابعة إلى الثامنة مساءً لا ينطوي على أي خرق أو خلل تقني، وإنما فرضته تقديرات ميدانية وتنظيمية تتصل بإدارة حركة السير في ساعات الذروة المسائية، وتفادي الاختناقات المرورية بالتزامن مع عودة الموظفين وتزاحم المناسبات.


​إذن، المعطى الرسمي يؤكد سلامة البيانات وعدم وجود أزمة فنية. لكن الفراغ الزمني الممتد حتى المساء—في ظل منسوب عالٍ من التوتر الأُسري—سرعان ما استغلته بؤر صناعة الشائعات لتمرير روايات مضللة حول تسريبات وثغرات إلكترونية، ليبدأ ما يمكن تسميته بـ «موسم الصيد في المياه المعكرة».


​ولم يتوقف الإرباك عند حدود الشائعة الشفهية، بل ارتقى إلى جرائم احتيال رقمي منظم؛ عبر صفحات مشبوهة تدعي "تعديل المعدلات" مقابل مبالغ مالية، وروابط خبيثة حذرت منها الجهات الأمنية والمصرفية الرسمية لتسببها في اختراق الهواتف وسرقة البيانات الشخصية. لقد تحول القلق المشروع للأسرة الأردنية إلى بيئة خصبة للتكسب الخبيث والابتزاز الرقمي.

​وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى الوقوف أمام هذه الظاهرة بوعي أردني متماسك.


​من أين تُستمد هذه الروايات؟ وأين دليلها الرقمي أو التوثيقي؟


​إن انتشار الخبر لا يمنحه مشروعية الحقيقة، وتصميم صفحة وهمية تشبه الموقع الرسمي لا يجعل منها وثيقة صادرة عن الدولة. في ملف سيادي يتعلق ببيانات آلاف الطلبة وأمنهم النفسي، لا تُبنى الحقائق على منطق «سمعت» أو «وصلني»، بل المرجع الوحيد هو الدليل الفني والبيان الصادر عن الجهة المختصة. والقول بوجود اختراق أو تسريب هو ادعاء يتطلب البرهان، أما تسويق الاحتمالات كحقائق مسلّم بها فهو خروج عن أدبيات التحقق الإعلامي إلى نطاق صناعة الإرباك المجتمعي.


​إن الشائعة في هذه الظروف لا تستهدف الصورة المؤسسية للدولة فحسب، بل تمس الاستقرار النفسي للطالب المنتظر، ونوم الأم، وراحة الأب؛ تمس الأسر المعلقة أرواحها بين الرجاء والخوف. الطالب لا يحتاج إلى «تسريب» مجهول، ولا إلى سراب تُروجه صفحات الابتزاز؛ إنه يحتاج إلى نتيجة رسمية دقيقة، تصل عبر القنوات المعتمدة ومظلة الدولة الرقمية، وفي الموعد الذي تقدره المصلحة العامة.


​ومن الناحية التنظيمية، جاء نقل الموعد إلى الثامنة مساءً محاولة ميدانية لإبعاد الحدث ومواكبه الاحتفالية عن ذروة الازدحام المروري، ومنحه إطاراً أكثر انضباطاً وسلامة. ولئن كان التساؤل عن سبب تأخر صدور قرار التعديل سؤالاً مشروعاً في باب تطوير التواصل المؤسسي مستقبلاً، فإن تحويل التعديل التنظيمي إلى اتهام بوجود خلل في النزاهة هو قفزة تحليليّة تفتقر للبرهان.


​تغيير توقيت الإعلان ليس دليلاً على وجود خلل ، هذه هي الحقيقة البسيطة التي يجب أن تظل راسخة وسط الصخب .


​إن الثقة بالوزارة لا تعني تسليماً أعمى، كما أن الوعي لا يعني التشكيك الممنهج. الثقة الوطنية الحقيقية تقف في مساحة الوعي المتزن: نسأل بمسؤولية، ونصدق المعلومة الصادرة عن مصدرها الموثق، ونرفض مطلقاً أن نكون ضحايا للشائعات أو مصايد الاحتيال.


​واجبنا الوطني والأخلاقي تجاه أجيالنا يفرض حمايتهم من هذا الصخب المقصود ، فقد بذل الطلبة جهدهم، ولا يصح أن تحول الساعات الأخيرة من انتظارهم إلى مختبر لابتزاز المشاعر أو اصطياد التفاعلات.


​لتأتي النتيجة من مرجعيتها المعتمدة، بعيداً عن المجموعات المغلقة والروابط المشبوهة. النتائج أمانة وطنية ثقيلة، وأبناؤنا ليسوا حقل تجارب للشائعات.


​ومع حلول الثامنة، ستظهر النتائج، وتطمئن الأسر، وتتلاشى كل الروايات أمام الحقيقة الموثقة.


​أما الحقيقة الرسمية، فلا تحتاج إلى صخب لكي تنتصر؛ يكفيها أنها الحقيقة.


والله الموفق


مواضيع قد تهمك