عبد الرحيم العرجان : البترا .. حين يصبح الإنسان جزءًا من التراث
لا تُقاس عظمة البترا بتفرّدها المعماري وحده، ولا بما نُحت في صخورها الوردية قبل أكثر من ألفي عام، بل بما احتضنته من إنسان استطاع أن يحافظ على روح المكان، ويمنحه حياةً متجددة في كل يوم.
فالبترا ليست مدينةً أثريةً فحسب، بل هي منظومة متكاملة من الحجر والإنسان والذاكرة. فالمجتمع المحلي الذي عاش حولها عبر أجيال طويلة لم يكن يومًا عنصرًا هامشيًا، بل شريكًا أصيلًا في حماية المكان، ونقل قصته، وتقديمه للعالم بصورة إنسانية تجعل زيارتها تجربةً تتجاوز مشاهدة الآثار إلى التواصل مع ثقافةٍ حية.
وقد جاء إدراج هذا المجتمع المرتبط بالموقع الأثري ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو تقديرًا لما يحمله من عادات وتقاليد ومعارف وممارسات وقيم متوارثة، تؤكد أن التراث ليس مباني وصخورًا فحسب، بل هو أيضًا الإنسان الذي يحفظ الذاكرة ويمنحها روحها.
فالزائر الذي يصل لا يلتقط صور الخزنة والدير فقط، بل يلتقي بالإنسان البدوي الأصيل؛ بجدائل شعره، وكحلته العربية، وملابسه التقليدية، ولهجته، وكرمه، وابتسامته التي تجعله يشعر بأنه ضيف في بيت عربي قبل أن يكون زائرًا لموقع أثري عالمي.
سفراء الرقيم
لقد كان أبناء السلع على الدوام سفراء حقيقيين للمكان، يقدمون تجربةً عفويةً لا يمكن أن توفرها أي منشأة سياحية. فهم يعرفون تفاصيل الجبال وأسرار المسارات، ويحملون قصص أرضهم التي تناقلتها الأجيال، ويقدمون صورةً حيةً عن الثقافة الأردنية الأصيلة.
وخلال جولتك معهم، لا يقتصر دورهم على مرافقتك بين المعالم، بل يأخذونك في رحلة أعمق إلى ذاكرة المكان؛ فيرشدونك إلى خبايا الرقيم ويكشفون أسرارها، ويشرحون لك أدق التفاصيل التي قد لا يلاحظها الزائر العابر، أو يجدها مدونةً في الكتب، من أسماء الجبال والوديان إلى قصص المواقع، وطرق العيش القديمة، والحكايات التي ورثوها. وهنا أشير إلى صديق عشت معه هذه التجربة، فارس الموسى. فهم لا يقدمون مجرد جولة، بل يمنحونك فرصة لاكتشاف السلع من الداخل، كما عرفها أهلها وعاشوا تفاصيلها عبر الزمن، لتصبح الزيارة تجربةً إنسانيةً وثقافيةً متكاملة. وهم من أوصلوا بركهارت إلى غايته، وغيره من المستشرقين، عندما كان ابن نجاد يمنح الإذن.
فيراري الجبال
ولأن أهلها يحملون روح الدعابة والفكاهة الفطرية، فقد أصبحت عباراتهم جزءًا من ذاكرة السائح. فما إن يبدأ الزائر رحلة الصعود نحو الدير أو المذبح حتى يسمع أحدهم ينادي مبتسمًا: «اركب الفيراري... مع خدمة واي فاي!»، في إشارة طريفة إلى الحمار الذي رافق أهل المنطقة عبر الأجيال. فيضحك السائح، ويلتقط الصورة، ثم يعود إلى بلاده حاملًا معه هذه الطرفة الجميلة، لتصبح الابتسامة لا تقل أثرًا عن جمال المكان.
وعلى أعلى المذبح، تقف أحيانًا عازفة الشبابة البدوية، تعزف ألحانًا تنساب مع الريح، فيرتد صداها بين الرواسي الشاهقة، وكأن الصخور نفسها تردد النغم. إنها لحظة ساحرة تتحول فيها آلة الشبابة إلى سيمفونية طبيعية، تمتزج فيها الموسيقى البدوية مع عظمة ما نُحت، ليشعر العابر أن الأعجوبة ليست موقعًا أثريًا صامتًا، بل مسرحًا حيًا.
زكريا... أطرب العالم
ولعل العالم يتذكر قصة الطفل البدوي زكريا الذي كان يصدح بالغناء، فيتردد صوته بصدى مذهل بين صخور السيق، في مشهد أبهر آلاف الزوار وتناقلته وسائل إعلام عالمية، ليصبح ذلك الصوت الشجي جزءًا من ذاكرة المدينة، تمامًا كما أصبحت الخزنة والدير وسائر أرجاء المدينة رمزًا عالميًا.
وهم خير من يقوم باستقبال القاصدين وصناعة اللحظات الجميلة في عاصمة الأنباط، فهم أهل مواقف ومسؤولية. فعندما يضل أحد الزوار طريقه بين الجبال أو الأودية، يكونون أول من يهب للبحث عنه، مستفيدين من معرفتهم العميقة بكل درب وشعاب ومسلك، وهي معرفة تراكمت منذ نعومة الأظافر والعيش في هذا المكان الفريد.
كما عُرف المجتمع المحلي بأمانته العالية، حيث تتكرر قصص إعادة المقتنيات التي يفقدها السياح إلى أصحابها، مهما كانت قيمتها، في صورة مشرقة تعكس أخلاق المواطن العفيف، وتعزز ثقة الزائر بالمكان وأهله.
إن نجاح المدينة الوردية كوجهة سياحية عالمية لم يكن نتيجة جمالها الأثري والطبيعي فقط، بل نتيجة هذا التفاعل الإنساني بين المكان وسكانه. فالسائح لا يغادر البترا حاملًا صور الصخور، بل يحمل حكايات عن أهلها، وعن كرمهم، وشجاعتهم، وابتساماتهم، وأصواتهم التي بقي صداها في الذاكرة.
إن حماية البترا لا تعني الحفاظ على الحجر وحده، بل الحفاظ على الإنسان الذي منح الحجر من روحه. فهم الشريك الحقيقي في استدامة السياحة، والسفير الذي يقدم الأردن بأجمل صورة أمام العالم.
أعظم ما يميز هذا المكان ليس فقط ما نراه بأعيننا، بل ما نشعر به في قلوبنا عندما نلتقي بإنسان البترا.
* رحالة وباحث في سياحة المغامرة