رجا طلب : إيران و"تحالف مكة": المخاوف والذرائع؟؟
جاء أول رد فعل رسمي من طهران على التحالف الدفاعي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان سريعاً ولافتاً، الأمر الذي يكشف أن إيران لا تنظر إلى الاتفاق باعتباره مجرد تفاهم عسكري عابر، بل تعتبره تطوراً استراتيجياً قد يؤسس لمرحلة جديدة في معادلات الأمن الإقليمي. فسرعة التعليق الذي جاء على لسان إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، والذي قال فيه إن الاتفاقية "لن تضمن أمن المملكة"، ويقصد السعودية، تعكس وجود هواجس ونوايا مبيتة إيرانية تجاه ما وصفته بعض وسائل الإعلام الإيرانية بـ"التحالف السني"، حيث اعتبر إبراهيم رضائي أن الاعتماد على تفاهمات مع أنقرة وإسلام آباد لا يختلف عن الارتهان السابق للمظلة الأمريكية، داعياً الرياض إلى مراجعة نهجها الإقليمي بدلاً من البحث عن مظلات أمنية خارجية.
ظاهرياً يبدو التصريح مجرد انتقاد سياسي، لكنه في مضمونه محاولة مبكرة لنزع الشرعية عن التحالف والطعن في نواياه، تمهيداً لسوق مبررات استعدائه حتى قبل أن يبدأ في ترجمة أهدافه إلى خطوات عملية، فحين تؤكد طهران أن الاتفاق لن يحقق الأمن، فإنها لا تناقش تفاصيله العسكرية بقدر ما تسعى إلى زرع الشك في جدواه، وإرسال رسالة إلى الداخل السعودي وإلى الرأي العام الإقليمي مفادها أن أي منظومة أمنية لا تأخذ إيران في الحسبان محكومة بالفشل، وعملياً هي معادية لها، وفي هذا السياق، لم يكن استدعاء تجربة العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة في تصريح رضائي أمراً عفوياً، بل محاولة لوضع التحالف في خانة العداء لها، فطهران تحاول إعادة إنتاج الانطباع الذي تشكل بعد هجمات أرامكو عام 2019، عندما لم تتدخل واشنطن عسكرياً للدفاع عن السعودية، لتقول إن تركيا وباكستان لن تكونا أكثر استعداداً للدخول في مواجهة مباشرة مع إيران إذا اندلعت أزمة عسكرية في المستقبل.
إن فهم هذا الموقف الإيراني يقتضي التوقف عند العقلية الاستراتيجية التي حكمت السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية منذ قيامها عام 1979، فطهران تنظر إلى أي تكتل إقليمي يمتلك مقومات القوة العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية باعتباره مشروعاً منافساً لنفوذها يرقى لمستوى العداوة، حتى لو لم يعلن أنه يستهدفها مباشرة، ويعود ذلك إلى أن العقيدة الأمنية الإيرانية لا تقوم على مبدأ توازن القوى بقدر ما تقوم على السعي لامتلاك موقع متقدم يجعلها القوة الأكثر تأثيراً في محيطها، ولهذا تعاملت إيران على امتداد العقود الماضية بحذر أو رفض مع معظم محاولات بناء منظومات عربية أو إسلامية مشتركة، لأنها ترى في أي تجمع قادر على توحيد القرار الأمني والعسكري تهديداً لقدرتها على الحركة والتأثير، كما أن طهران استفادت طويلاً من حالة الانقسام الإقليمي وتضارب المصالح بين دول المنطقة، وهو ما وفر لها هامشاً واسعاً لتوسيع نفوذها عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء.
أما اليوم، فإن اجتماع السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي واحد يحمل دلالات مختلفة؛ إذ يجمع بين الثقل الاقتصادي والسياسي السعودي، والصناعة العسكرية والخبرة العملياتية التركية، والإمكانات النووية والخبرة القتالية الباكستانية، وكلها أمور تفسر القلق الإيراني، وهو قلق لا يرتبط فقط بما تنص عليه الاتفاقية، بل بما يمكن أن تتحول إليه مستقبلاً إذا تطورت إلى منظومة ردع إقليمية مستقلة.
ومن زاوية أخرى، فإن دعوة رضائي للسعودية إلى "مراجعة نهجها الإقليمي" تكشف أن إيران ما زالت تفضل إدارة علاقاتها مع الرياض عبر تفاهمات ثنائية، وليس من خلال تحالفات متعددة الأطراف قد تقلص هامش المناورة الإيراني، فكلما اتسعت دائرة التنسيق العسكري والسياسي بين القوى الإسلامية الكبرى، ازدادت صعوبة تعامل طهران مع كل دولة منفردة.
ــ الراي
Rajatalab5@gmail.com