د. بسام الساكت : " طريق النخيل"حلمٌ"كطريق الحرير "
رحمك الله يا شيخاً حكيما بعيد الرؤية والمرامي،و ستبقى "قامة ونخلة باسقة" في ارض العرب،وبالأخص على أرض الامارات العربية الشقيقة. ايها المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. كُنتُ أسعَد حين احضر مجلِسَكَ،مسؤولا، وزائرا. كما تُنعِشُني ذِكراك. لقد كنت سبّاقاً لغيرك،يا شيخنا الكبير بن نهيان، بفِطنَتِك، بالإحاطة بأهمية "النخلة " -ثروةً ممتدة المردود متعددة المنافع -فأحيَيْت الاهتمام بها في بلدك، والإقليم، نعمةً وقدوةً للآخرين؛ عَرفتَها، يا ايها الراحل ،من بيئتك في البادية ومن كتاب الرحمن. وأنا مواطن تعرفتُ عليها من بيئتي وقراءتي وحين كُنتُ وزيرا للزراعة عام 1998.
النخلة تمنح أمنا فرديا غذائياً وبيئياً، وأمنا وطنيا في عصر دولي متوحش، كالذي نمرُّ فيه ! لقد حمل البدوي عشق ثمرها وثقافتها، في حلِّه وترحاله، عبر الصحاري ، معتمداً عليها في بقائه، وفي هجرته، وفي السلم و الحروب؛ فكانت ثمارها مؤنته وأمنه: من مكة الى المدينة،وعبر الجزيرة العربية ثم الى الشام ؛ وإلى الحبشة ، والأندلس، وآسيا؛ تاجراً ومهاجرا، وناشرا قيم السلام وعبادة الرحمن .
جاء ذِكْرُ النخلة 20 مرة في القرآن الكريم، وصدق الرحمن؛ فأظلت النخلة سيدتنا المكرمة مريم العذراء،والدة سيدنا المسيح، صلوات الله وسلامه عليه: "وهزّي إليك بجذع النخلة تُساقِط عليك رُطبا جنيا فكلي واشربي وقَرِّي عَيْناً … ". وأكَّد على زراعتها الأنبياء؛ فقال رسول الله محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وكما ورد في الأثر في فضل ثمر النخلة ومكانتها: ((أَكْرِمُوا عَمَّتَكُمُ النَّخْلَةَ؛ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ فَضْلَةِ طِينَةِ أَبِيكُمْ آدَمَ))، كما أوصى ﷺ بإطعام الرطب والتمر للنساء الوالدات لما فيه غذاء متكامل. وثَبُتَ "َعلميا" انها تحوي سكريات سريعه وحديد وكالسيوم، ومغنيسيوم وبوتاسيوم،ونحاس،وأنتي أوكسيدنتAntioxidant،ومثبط للجوع ؛مليِّنٌ ،مخفف الالتهابات، يعالج فقر الدم؛إنها بجدارة سُمِّىيَت "شجرة الحياه "؛ مُعمِّرَة تُستَخدَم جميع أجزائها: الثمار غذاء متكامل، ومُدخَل في صناعة الحلويات ؛والنَّوَى علف للحلال، ولإنتاج القهوة الخالية من الكافيين؛والسعف في صناعة السلال والحصر والعوازل الحراريه، والمقاعد والمكانس؛ مستديمة الخضرة، هي مصدات للرياح؛ تخفف الحرارة بالظل، مايكرو كلايمت Microclimate؛ وتحمي تحتها الحمضيات والخضروات من الشمس؛ الجذع للبناء، والألياف حِبالا. لقد وصل الاهتمام بها، أميركا، فزرعت في غربها وجنوبها محصولا تجاريا مُجديا اقتصاديا ؛.
وفق مايتاح من أرقام: اكبر المنتجين للتمر هم: مصر 2 million tons وتصدر بقيمة 106m$$(الانواع متوسطه ); ثم السعودية تنتج 1.6 mt, وتصدر بقيمة 452 mn$$; ثم تونس تنتج 1.4 mtn ,وتصدر بقيمة 361 mn$$(أنواع جيده ); إسرائيل تنتج 43 الف طن وتصدر بقيمة 313mn$$ (أنواع جيدة ومنها اعادة تصدير); الأردن ينتج 30 الف طن ويصدر بقيمة 46mn$$ (من اجود أنواع المنتج عالميا) }}.
ولقد كَتَبْتُ عن النخلة مرات. وأراني مشدود الاهتمام بها مدفوعا بجدواها وعظمتها وبالتحريج" "ثم التحريج". ولابد ان نحيي ونُكرٍم النجاحات القائمة لأشخاص بادروا واهتموا بالنخيل. لكننا نود توسيع نطاق الاهتمام وثقافة النخيل الاقتصادية والبيئية.
ولا يُضير أبداً إن وجد البعض فيما يرد هنا حُلُماً ! فلنتصور "الحُلُم الكبير"التالي وحقَّنا أن نحلم،حُلُما كبيرا لَعلَّهُ يُتَبنَّى من حاكم ٍبعيد النظر،او ثري او شركة او مؤسسة خيرية؛ او حكومة ما: عندنا غور الأردن، مساحة ممتدة من أقصى الشمال إلى العقبة مُثْبتا انها بيئة مثالية للنخيل المتميز نوعاً ومردوداً. لو تصورنا،فقط ،زراعة جانبي الطريق على امتداد غور الأردن او قطع مختارة على جانبيه، "لليُسْرِ في التنفيذ "، ووفق النجاحات. (نسميه طريق النخيل، مقابل طريق الحرير)بخطين من أشجار النخيل المُمَيَّز، يختاره فنيون؛ ينفذ الطريق على مراحل بمسافات محدده؛وتقسَّم مسؤوليات تنفيذه "، إما الى شركة مساهمة عامة؛ او شركات صغيرة تعاونية؛ أو الى أثرياء متطوعين؛ او بنوك وشركات؛ويمكن ان يُسمَّى كل قطاع من الطريق باسم الداعم الشخصي او اسم الشركة والمؤسسة او العائلة؛ وتُحدِّدُ مسار الزراعة، وزارة الزراعة او شركة او مقاولون متطوعون ؛ويقوم بالزراعة شركة او اكثر ؛وأخرى تروي بالتنكات او بواسطة أنبوب مغذ، أيهما أجدى؛ لمدة اربع سنوات، حتى تقف النخلة؛ إذ تُنْتِج النخلة تمرا بعد خمس سنين. كما ويصل مردودها الكمي مابين 40 kg إلى 90 kg بعد عشر سنين؛ تتراوح قيمته بسعر الجملة، بالمعدل مابين80-90 دولارا،وتصل 350$-600$، إذا إختِيرت انواع عالية الجودة، وحسب عمر الشتلة؛ والمعروف ان الأسعار "الدولية" للمواد الغذائية هي بارتفاع لا في الهبوط . وبالغالب لا تحتاج النخلة بعدالخمس سنين،ريّاً ، إذ تستقل بيولوجيا. ويمكن تأسيس شركة او شركات زراعية او مجموعة من اشخاص متطوعين، او منظومة خاصة، تهتم ويهتمون بالاستدامة وبالصيانة والرش؛ وشركة للعناية بالثمار وتصنيعها … الخ ؛ كما ويُوكَل للمنظومة مسؤولية الإشراف والحماية؛ او تؤسّس شركة مساهمة عامة مستقلة او بالشراكة مع الخزينة، تقوم بكامل التنفيذ والمراحل او جزئيات منها تطرح أسهمها "للاكتتاب العام في بورصة عمان"للمواطنين وللمغتربين. وهناك سبل عده وخيارات قابلة للتطبيق .
فلنتخيّل بعد عشر سنوات،ان عندنا "طريق النخيل" يشاهد من الجو بالأقمار الصناعية، مشروع ممتد من الشمال إلى العقبة، مشروع منتج، بيئي، مربح مُجْدٍ، يشغل الشباب والمتطوعين، يُوزَّع مردوده نِتاجاً، ومالاً، لأوجه، لا حصر لها. أليس من المُباح ،أن نتخيّل، ونحلم "بطريق نخيل" في اردننا؟! وهناك خيار وحلم آخر هو : إحياء اراضي الخزينة أو توزيعها على المواطنين مشروطة بالاستثمار والسكن العائلي لمن لا ملكية له، ففي ذلك ارتباط بالارض وامن وطني .
وحين قصصت هذا الحلم على البعض، تذكروا، وأنا تذكرت،حلم الراحل الحسين بن طلال، باخضرار الأردن؛ مشروعاً أطلقه أمامنا في مبنى امانة عمان،أيام الامين الشاب عصام العجلوني -رحمهما الله - "الأردن أخضر عام 2000 "! لقد رحل الحسين الكبير ورحل الامين العجلوني، وآخرون فنيون، ومازال الحلم في مُخيَّلتِنا. وننشد المولى ان "يترجم حلم من احلام كبارنا، ممن رحلوا وممن ينتظر؛ حلم كبير وأحلام "تترجم ، إلى واقع، لمن يخلفون؛ وعلى أيدي "الخلف الصالح "من ولاة أمر الأردنّ البَرَرَه .