اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. حمزة الخدام البلاونة : آن أوان الانتقال من إدارة الجلوة إلى صناعة الاستقرار

د. حمزة الخدام البلاونة : آن أوان الانتقال من إدارة الجلوة إلى صناعة الاستقرار
أخبارنا :  

لوحظ في الآونة الأخيرة عودة الحديث بقوة عن موضوع الجلوة العشائرية، بالتزامن مع دعوة مستشارية شؤون العشائر عددًا من الشخصيات والوجهاء وأصحاب الرأي من مختلف محافظات المملكة، وكان آخرها محافظتا الزرقاء والبلقاء، للاستماع إلى وجهات نظرهم حول هذا الملف. ولا شك أن فتح النقاش حول الجلوة العشائرية أمر مهم، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل المطلوب مجرد الاستماع إلى الآراء وتدوير النقاش حول القضية، أم أن المرحلة تتطلب موقفًا مؤسسيًا واضحًا ورؤية وطنية تعالج جذور المشكلة وآثارها؟


وبالرغم من الجهود التي تبذلها المستشارية، ممثلة بمعالي المستشار كنيعان باشا البلوي، في مناقشة هذا الملف العشائري الحساس، إلا أن المطلوب من مستشارية شؤون العشائر، إذا أرادت الوصول إلى قراءة حقيقية ودقيقة لملف الجلوة، هو الاستماع إلى أبناء المحافظات في أماكنهم، وليس الاكتفاء بدعوة عدد من الشخصيات، ولهم كامل الاحترام والتقدير، إلى المركز.


فلكل محافظة خصوصيتها الاجتماعية والعشائرية، ولكل منطقة تجربتها وظروفها في التعامل مع النزاعات والجلوات، وما قد يراه شخص لا يعيش تفاصيل الواقع المحلي بصورة يومية قد لا يعكس بالضرورة حقيقة الواقع على الأرض. كما أن اختيار أشخاص بعينهم، مهما كانت مكانتهم الاجتماعية، لا يعني بالضرورة أن لديهم صورة مكتملة عن جميع أبعاد القضية وتفاصيلها المحلية، أو أنهم يمثلون بالضرورة وجهة نظر أبناء المحافظة كافة.


ولذلك، فإن الاستماع الحقيقي يجب أن يكون أوسع وأكثر شمولًا، من خلال لقاءات ميدانية تضم شيوخ ووجهاء العشائر، والأكاديميين، والمختصين في الشأن العشائري والقانون، والأخصائيين الاجتماعيين، والشباب والنساء، والأسر التي عايشت تجربة الجلوة؛ لأن من عاش المشكلة وعاين آثارها أقدر على وصفها وتشخيصها من بعيد.


والمستشارية، بحكم دورها الوطني، مطالبة بأن تذهب إلى الناس، وأن تسمع من الميدان قبل أن تصوغ أي رؤية أو توصية؛ فصناعة القرار الاجتماعي الرشيد تبدأ من الواقع، وليس من الانطباعات أو الآراء التي تناقش في المركز.


وعودًا على بدء، يبقى السؤال الأهم بعد هذه اللقاءات والنقاشات: ماذا بعد؟ وكيف ستتعامل مستشارية شؤون العشائر مع ما سمعته من آراء وملاحظات؟ فالقيمة الحقيقية لأي حوار لا تقاس بعدد اللقاءات أو بعدد الشخصيات التي شاركت فيه، وهي شخصيات محترمة ومقدرة، وإنما بما ينتج عنه من خطوات عملية ومواقف واضحة.


ومن هنا، فإن الرأي العام ينتظر أن تتحول هذه المشاورات إلى رؤية وطنية متكاملة تجاه الجلوة العشائرية، تتضمن تقييمًا صريحًا لتجربتها وآثارها، وتحديدًا واضحًا لما ينبغي الإبقاء عليه من الأعراف الإيجابية، وما ينبغي مراجعته أو تجاوزه، وصولًا إلى آليات عملية تحفظ السلم الأهلي دون أن تكون كرامة الأبرياء وحقوق الأسر ثمنًا لذلك.


فالمطلوب في نهاية المطاف ليس أن تنتهي النقاشات إلى توصيات تُحفظ في الأدراج، وإنما أن نرى أثرها في الميدان، وأن يشعر المواطن بأن هناك إرادة حقيقية لمعالجة هذا الملف معالجة جذرية، وبأن مستشارية شؤون العشائر تتحرك نحو صناعة الحلول لا مجرد إدارة الأزمات.


* أستاذ علم الاجتماع



مواضيع قد تهمك