الدكتورة دانييلا القرعان : الرسائل المفتوحة إلى المسؤولين... هل يجيزها القانون الأردني؟
خلال الأيام الماضية، سألني أحد الأصدقاء سؤالًا قانونيًا وجدته يستحق أن يُطرح على نطاق أوسع، لأنه يتكرر في أذهان كثير من الناس.
قال لي: كل يوم أقرأ على مواقع التواصل الاجتماعي عشرات الرسائل المفتوحة، مرة موجهة إلى جلالة الملك حفظه الله ورعاه، ومرة إلى دولة رئيس الوزراء، ومرة إلى وزير، ومرة الى مدير الأمن العام، ومرة الى مدير دائرة المخابرات العامة، ومرة الى رئيس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، أو غيرهم من المسؤولين، حيث بعضها يطالب، وبعضها ينتقد، وبعضها يقدم النصح، وبعضها يعلن التأييد والشكر فهل يسمح القانون الأردني بهذا الأسلوب أصلًا؟ أم أن صاحبه قد يتعرض للمساءلة القانونية لمجرد أنه خاطب مسؤولًا بهذه الطريقة؟
في الحقيقة، وجدت أن السؤال مشروع، خصوصًا أن هذه الرسائل أصبحت ظاهرة يومية على منصات التواصل الاجتماعي، حتى باتت أشبه برسائل مفتوحة يقرأها الآلاف، وربما مئات الآلاف، قبل أن تصل إلى الشخص المقصود بها، إن وصلت.
بالرجوع إلى المبادئ القانونية العامة، فإن الأصل أن القانون لا يجرّم شكل الرسالة، وإنما ينظر إلى مضمونها. فلا يوجد – في حدود علمي – نص قانوني يمنع المواطن من نشر رسالة مفتوحة موجهة إلى مسؤول في الدولة لمجرد أنها رسالة مفتوحة، سواء كانت موجهة إلى جلالة الملك أو إلى رئيس الوزراء أو إلى أي مسؤول آخر.
لكن ذلك لا يعني أن كل رسالة تكون مباحة مهما كان محتواها، فإذا تضمنت سبًا أو قذفًا أو تشهيرًا، أو اتهامات بالفساد أو الجرائم دون دليل، أو تضمنت إساءات أو أخبارًا كاذبة أو أي محتوى يجرّمه القانون، فإن كاتبها قد يتحمل المسؤولية القانونية، ليس بسبب مخاطبة المسؤول، وإنما بسبب ما ورد في الرسالة نفسها.
وفي المقابل، إذا كانت الرسالة تعرض قضية عامة، أو تطرح رأيًا أو تقدم نصيحة، أو تنتقد أداءً عامًا بأسلوب موضوعي ومحترم، أو تعبر عن التأييد أو المطالبة بالإصلاح، فإن مجرد نشرها لا يجعلها مخالفة للقانون. ويبقى سؤال آخر يطرحه البعض: لماذا نرى هذه الرسائل منشورة كل يوم، ولا نسمع عن إجراءات بحق أصحابها؟
الإجابة ليست في كون الرسالة تمدح أو تنتقد، وإنما في مدى التزامها بالقانون، فليس كل نقد جريمة، وليس كل مديح مباح إذا تضمن مخالفة قانونية، فالعبرة دائماً بالمضمون والوقائع والعبارات المستخدمة، وما إذا كانت تشكل جرماً يعاقب عليه القانون.
إن حرية التعبير قيمة دستورية مهمة، لكنها – كما هو الحال في معظم دول العالم – ليست حرية مطلقة، وإنما تمارس ضمن إطار القانون، بما يحقق التوازن بين حق الإنسان في إبداء رأيه، وحق الآخرين في الحماية من الإساءة أو التشهير أو نشر المعلومات غير الصحيحة.
وأخيرًا، فإن أفضل رسالة يمكن أن يكتبها أي مواطن هي تلك التي تستند إلى الحقائق، وتستخدم لغة راقية، وتحترم القانون، لأن الكلمة المهذبة الصادقة أكثر تأثيراً وأطول عمراً من أي عبارة انفعالية قد تكلف صاحبها ما لم يكن يتوقعه.