ملال الكوري : صناعة القيادات تبدا من الداخل… لا من تضارب المصالح
في الدول التي نجحت في بناء مؤسسات قوية لم يكن النجاح قائما على الأشخاص بقدر ما كان قائما على الأنظمة التي تصنع القيادات وتؤهلها وتضمن الفصل الواضح بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة .
إن من أهم مبادئ الحوكمة الرشيدة تجنب تعارض المصالح ليس لان كل رجل أعمال سيستغل منصبه وانما لأن المنصب العام يجب ان يبقى بمناى عن أي شبهة قد تثير التساؤلات حول حيادية القرار وعدالته .
ومن هنا يبرز سؤال مشروع و ھو انھ عندما يعين رجل أعمال يمتلك شركات واستثمارات واسعة في موقع حكومي مسؤول عن رسم السياسات الاقتصادية أو الاستثمارية كيف يمكن طمأنة الرأي العام إلى أن القرارات ستتخذ وفق المصلحة الوطنية فقط؟ و لا تجور مصالح استثماراتھ ؟؟؟ حتى مع وجود أعلى درجات النزاهة فإن مجرد احتمال تعارض المصالح قد يؤثر في ثقة المواطنين والمستثمرين بمؤسسات الدولة .
لقد عشت تجربة مختلفة في دولة الإمارات العربية المتحدة كانوذج نجح عالميا في معظم القطاعات ، حيث يلاحظ المتابع وجود فصل مؤسسي واضح بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص مع بناء شراكة متوازنة بينهما. فالحكومة تضع السياسات والرقابة والقطاع الخاص يستثمر وينافس وينمو دون أن يطغى أحدهما على الآخر .
هذا الفصل لا يعني القطيعة بل يعني وضوح الأدوار والمسؤوليات بما يحفظ العدالة ويعزز الثقة .
إن رجل الأعمال الناجح يحقق قيمة كبيرة عندما يقود استثماراته ويوفر فرص العمل ويعزز الاقتصاد الوطني من موقعه في القطاع الخاص.
وفي المقابل تحتاج المؤسسات الحكومية إلى قيادات إدارية تراكمت لديها الخبرة داخل الجهاز الحكومي، وتفهم أنظمته وتشريعاته وثقافته المؤسسية .
ولسنوات طويلة كانت العديد من الوزارات والمؤسسات تستثمر في كوادرها البشرية تبتعث موظفيها للدراسة وتوفر لهم التدريب، وتمنحهم فرص التطور الوظيفي حتى يصبحوا قيادات مستقبلية و يتم استعارتھم كخبراء استراتيجين ، وكان الموظف يشعر بأن اجتهاده سيقوده إلى مواقع صنع القرار فتتكون خبرات متراكمة تضمن استقرار المؤسسة واستمرارية أدائها .
أما اليوم فإن كثيرا من المؤسسات تعاني من تراجع الاستثمار في الإنسان و تقلصت برامج التدريب والابتعاث والتأهيل وأصبحنا نشهد في بعض الحالات استقدام قيادات تحتاج إلى وقت طويل لفهم طبيعة المؤسسة وآليات عملها بينما توجد داخلها كفاءات تمتلك المعرفة والخبرة لكنها لا تجد فرصة للتقدم ..
إن بناء القيادات ليس قرارا لحظة التعيين بل مشروع وطني يبدأ بالتدريب والتأهيل، والتقييم، وتكافؤ الفرص، ووضع معايير واضحة للكفاءة والإنجاز.
فالمؤسسات التي لا تصنع قادتها من الداخل ستظل تبحث عن حلول مؤقتة بينما تخسر خبراتها المتراكمة عاما بعد عام ...
إن الاردن يمتلك طاقات بشرية متميزة لكن هذه الطاقات تحتاج إلى بيئة تؤمن بها وتستثمر فيها وتمنحها الفرصة للنمو و ليس اقصاء الكفاءات بالتامر و الظلم فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير الأشخاص، بل يبدأ ببناء منظومة مؤسسية تصنع القيادات وتحميها من تضارب المصالح، وتعزز الشفافية، وتعيد ثقة المواطن بأن الكفاءة هي الطريق إلى المسؤولية ...
فالدول لا تنهض بالصدفة وإنما تبنى بقيادات تصنع داخل مؤسسات قوية تعمل وفق القانون وتخدم المصلحة العامة قبل أي اعتبار آخر ...