اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. . أحمد عويدي العبادي : مملكة باشان الأردنية (4000 ق. م. –450 ق.م.)

د. . أحمد عويدي العبادي : مملكة باشان الأردنية (4000 ق. م. –450 ق.م.)
أخبارنا :  

بين التاريخ المنسي والهوية المُسْتعادَة


(97) النفق المائي في باشان ومدرسة الهندسة المائية العربية القديمة


وفي راينا (د احمد عويدي العبادي) أن النفق المائي في باشان لا يمثل مجرد منشأة هندسية أنشئت لتوفير المياه، وإنما يكشف عن مستوى متقدم من المعرفة التقنية والإدارية التي امتلكها سكان المنطقة. فاختيار مساره في باطن الأرض، وضبط انحداره بدقة، والمحافظة على تدفق المياه لمسافات طويلة، وحمايتها من التبخر والتلوث والعدوان، كلها عناصر تدل على أن المشروع لم يكن عملاً عفويًا أو استجابة مؤقتة لحاجة محلية، وإنما كان ثمرة خبرة هندسية تراكمت عبر أجيال متعاقبة، وأصبحت جزءًا من ثقافة عمرانية راسخة.


ومن هنا يثور سؤال حضاري مهم: هل كان هذا النفق تجربة هندسية محلية معزولة، أم أنه يمثل جزءًا من تقليد هندسي أوسع عرفته المجتمعات العربية القديمة؟

إن المقارنة بين نفق باشان وأفلاج عُمان، والفقارات المنتشرة في أجزاء من الجزيرة العربية، والقنوات الجوفية المعروفة في شمال الحجاز، وأنظمة الـ Qanat في إيران، تكشف عن وجود تشابه لافت في الفكرة الأساسية، وإن اختلفت التفاصيل المحلية وطرائق التنفيذ. فجميعها تقوم على استخراج المياه الجوفية، ونقلها في قنوات باطنية، والمحافظة عليها من الضياع، وضمان وصولها بصورة منتظمة إلى التجمعات البشرية والأراضي الزراعية.


ولا يعني هذا التشابه بالضرورة أن جميع هذه المنشآت تعود إلى مصدر واحد، إذ لا يزال الجدل العلمي قائمًا حول منشأ بعض هذه التقنيات ومسارات انتقالها، إلا أن هذا التشابه يفتح الباب أمام إعادة النظر في تاريخ هندسة المياه في الشرق الأدنى والجزيرة العربية.


وتزداد هذه الفرضية قوة عندما نضيف إليها نموذجًا أردنيًا آخر ما زال قائمًا حتى اليوم، وهو ((نفق مياه وادي شعيب)) في السلط / البلقاء، الذي لا يزال يتدفق بمياه عذبة نقية بعد أن يقطع عدة كيلومترات في باطن الأرض باتجاه الشرق.


إن استمرار هذا النفق في أداء وظيفته حتى العصر الحاضر لا يعكس جودة التنفيذ الهندسي فحسب، وإنما يدل أيضًا على دقة اختيار الطبقات الصخرية، وضبط الميل والانحدار، وفهم خصائص المياه الجوفية، وهي معارف لا يمكن تفسيرها بوصفها مصادفة أو عملاً عشوائيًا.


ومن هنا يمكن النظر إلى نفق باشان ونفق وادي شعيب بوصفهما شاهدين على وجود تقليد هندسي متجذر في الأردن القديم، لا يقتصر على مشروع منفرد، وإنما يعكس معرفة متراكمة في إدارة المياه الجوفية.


وإذا أضيفت إليهما بقية المنشآت المائية التي قد تكشف عنها الدراسات المستقبلية في مؤاب أو أدوم أو غيرهما، فإن ذلك قد يسمح بالحديث عن ((حزام الأنفاق المائية الأردني))، وهو حزام يمتد من شمال الأردن إلى وسطه، ويعكس وحدة في الفكر الهندسي وأساليب إدارة المياه.


ولا يقتصر وجه الشبه بين هذه الأنظمة على الجانب التقني، بل يمتد إلى الفلسفة الحضارية التي تقف وراءها. فهذه المنشآت لم تكن تهدف إلى استخراج المياه فحسب، وإنما إلى تحقيق الاستدامة، وتأمين المورد الحيوي، وحمايته من التبخر والتلوث والاعتداء، وضمان توزيعه بصورة مستقرة على المجتمع.


وهذا يعني أن التقنية كانت جزءًا من منظومة إدارية واجتماعية متكاملة، وليست مجرد مهارة إنشائية معزولة. فالهندسة هنا كانت أداة لإدارة الدولة، كما كانت الإدارة وسيلة لحماية العمران واستمرار الحياة.


وإذا كانت الحضارة المصرية قد عُرفت بهندسة النيل، وحضارة بلاد الرافدين بشبكات الري السطحي، فإن الشواهد المتوافرة تشير إلى أن المجتمعات العربية القديمة طورت نموذجًا هندسيًا مختلفًا، يقوم على استثمار المياه الجوفية والمحافظة عليها داخل باطن الأرض.


ويبدو أن نفق باشان يمثل الحلقة الشمالية لهذا التقليد، في حين تمثل أفلاج عُمان إحدى حلقاته الجنوبية، وبينهما تتوزع منشآت مائية متعددة في أنحاء الجزيرة العربية، الأمر الذي يرجح وجود فضاء حضاري وتقني مشترك امتدت فيه المعرفة الهندسية عبر مسافات واسعة.


ولا يُقصد بذلك الجزم بأن جميع هذه المنشآت أنشأها شعب واحد أو دولة واحدة، وإنما الإشارة إلى احتمال وجود مدرسة هندسية مشتركة تشكلت داخل المجال العربي القديم، وانتقلت مع حركة القبائل، ومسالك القوافل التجارية، والهجرات البشرية، كما كانت تنتقل السلع واللغات والعادات.


فالتجارة في العصور القديمة لم تكن وسيلة لتبادل البضائع فحسب، بل كانت أيضًا وسيلة لنقل الخبرات والمعارف والتقنيات، ولذلك فمن الطبيعي أن تنتقل أساليب حفر الأنفاق، وإدارة المياه، وتقنيات البناء، مع انتقال الحرفيين والمهندسين والجماعات البشرية بين أقاليم الجزيرة العربية والهلال الخصيب.


وعلى هذا الأساس، فإن التشابه الكبير بين هذه المنشآت لا ينبغي النظر إليه على أنه مجرد تشابه عارض أو نتيجة لصدفة تاريخية، لأن الأعمال الهندسية الكبرى لا تتكرر بهذه الدقة في أقاليم متعددة دون وجود رصيد معرفي مشترك أو تفاعل حضاري طويل الأمد. فكل مشروع من هذا النوع يحتاج إلى معرفة دقيقة بالجيولوجيا والهيدرولوجيا وقياس المناسيب وأساليب الحفر والصيانة، وهي معارف لا تنشأ عادة بصورة منفصلة في كل مكان، بل تتراكم وتنتقل وتُطوَّر عبر الأجيال.


ومن هنا تُطرح فرضية تستحق البحث والمناقشة، وهي أن هذه المنشآت قد تمثل بقايا مدرسة هندسية عربية قديمة، انتشرت في أنحاء الجزيرة العربية والهلال الخصيب قبل تشكل كثير من الكيانات السياسية اللاحقة. وإذا صح هذا التصور، فإن النفق المائي في باشان لا يعود مجرد أثر محلي، بل يصبح شاهدًا على وحدة حضارية وتقنية أوسع، أسهمت في بناء العمران، وربط المجتمعات، وترسيخ الاستقرار في المنطقة.


وإذا اقترنت هذه الفرضية بما تشير إليه الأدلة الأخرى من امتداد حضاري ثمودي واسع في المجال العربي، فإنها تفتح بابًا علميًا جديدًا لدراسة العلاقة بين انتشار المعرفة الهندسية وانتشار الجماعات والثقافات العربية القديمة، دون تجاوز حدود الأدلة المتاحة، ودون ادعاء حسم قضية ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث الأثري والتاريخي.

المدرسة الأردنية في هندسة المياه وإدارة الموارد المائية //


وتكشف الشواهد الأثرية والتاريخية أن سكان الأردن القديم لم يقتصروا على استغلال مصادر المياه الطبيعية، بل طوروا منظومة متكاملة لإدارة المياه، يمكن وصفها بأنها من أكثر النظم الهندسية تطورًا في العالم القديم.


فقد أدرك الأردنيون منذ وقت مبكر أن البقاء في البيئات الجافة وشبه الجافة لا يتحقق بوفرة الأمطار فحسب، وإنما بحسن إدارتها، فابتكروا وسائل متعددة لجمع المياه، وحفظها، ونقلها، وتوزيعها، بما يحقق استدامة الاستقرار الزراعي والعمراني.


وقد برع الأردنيون القدماء في هندسة الحصاد المائي، فحولوا الجبال والسفوح والأودية إلى منظومة متكاملة لجمع مياه الأمطار والسيول، من خلال السدود الصغيرة، والحواجز الحجرية، والقنوات، والخزانات، حتى أصبحت كل قطرة ماء جزءًا من دورة اقتصادية منتجة. ولم تكن هذه الأعمال مجرد حلول محلية مؤقتة، بل كانت تعبيرًا عن معرفة دقيقة بطبيعة الأرض، ومناسيبها، وحركة المياه، وأساليب الاستفادة القصوى منها


وتبلغ هذه الخبرة ذروتها في التجربة النبطية، حيث استطاع الأنباط تحويل الصخور الصماء إلى منظومة هندسية متكاملة للحصاد المائي. فقد استثمروا الانحدارات الطبيعية، ونحتوا القنوات والخزانات، وسيطروا على السيول الموسمية، حتى أصبحت البيئة القاحلة مصدرًا دائمًا للمياه والحياة. ولم يكن نجاح البتراء قائمًا على وفرة الموارد الطبيعية، بل على عبقرية الإنسان في إدارة المورد المحدود.


ولم يقف الإبداع النبطي عند حدود الحصاد المائي، بل امتد إلى تطوير وسائل نقل المياه. ففي المواضع التي كانت الأنفاق الطويلة ضرورية، استخدمت القنوات الجوفية، بينما استُعيض عنها في أجزاء أخرى بشبكات دقيقة من الأنابيب الفخارية المحكمة، التي أدت الوظيفة نفسها بكفاءة عالية، ونقلت المياه لمسافات طويلة مع المحافظة على تدفقها وجودتها.


وهكذا لم يكن الهدف التمسك بشكل هندسي واحد، وإنما اختيار الوسيلة الأكثر ملاءمة للبيئة والتضاريس، مع الحفاظ على الفلسفة الهندسية ذاتها، وهي إيصال المياه بأقل فاقد وأعلى درجات النقاء والاستدامة.


وعندما تُقرأ هذه الإنجازات جنبًا إلى جنب مع النفق المائي في باشان، ونفق مياه وادي شعيب، ثم تُقارن بأفلاج عُمان، والفقارات المنتشرة في الجزيرة العربية، وأنظمة القنوات الجوفية المعروفة باسم *الـ Qanat* في إيران، تتشكل أمامنا صورة لحضارة جعلت إدارة المياه محورًا رئيسًا في مشروعها العمراني.


وقد تختلف هذه المنشآت في أشكالها ومواد بنائها وتفاصيلها التقنية، إلا أنها تشترك في فلسفة واحدة تقوم على صون الماء، واستدامة تدفقه، وحسن توزيعه، وتكييف الحلول الهندسية مع البيئة المحلية.


ومن هنا يمكن القول ثانية : إن هذه الأعمال لا تبدو نتاج مصادفات متفرقة أو تجارب معزولة، وإنما تشير إلى تراكم وتبادل معرفي طويل وإلى تقليد هندسي راسخ انتقلت خبراته عبر الأجيال والأقاليم. فالهندسة الكبرى لا تتكرر بهذه الدقة في مناطق متباعدة من دون وجود بيئة معرفية مشتركة وآليات لنقل الخبرة.


ومن المرجح أن القبائل المتنقلة، وقوافل التجارة، والحرفيين، والمهندسين، وشبكات التبادل الاقتصادي، لم تكن تنقل السلع وحدها، بل كانت تنقل معها التقنيات، وأساليب البناء، والخبرات الهندسية، كما كانت تنقل اللغات والعادات والأفكار.


ومن هذا المنطلق تُطرح فرضية تستحق البحث، وهي أن أنظمة الحصاد المائي، والأنفاق الجوفية، والأنابيب الفخارية، والأفلاج، والفقارات، والقنوات الجوفية، ليست تقنيات متفرقة لا يجمعها رابط، وإنما تمثل مظاهر متعددة لمدرسة هندسية واحدة تكيفت مع البيئات المختلفة، مع احتفاظها بالفلسفة التقنية ذاتها.


وإذا اقترنت هذه الشواهد بما تشير إليه الأدلة الأخرى من وجود امتداد حضاري واسع في المجال العربي القديم، فإنها تفتح آفاقًا جديدة لدراسة انتقال المعرفة الهندسية بين الجزيرة العربية والهلال الخصيب، وتدعو إلى إعادة النظر في تاريخ تطور هندسة المياه بوصفها أحد أهم معايير قياس تطور الحضارات القديمة.


ومن هذا المنطلق، فإنني أرفض نسبة هذه الأنفاق والمنشآت المائية إلى العصور اليونانية أو الرومانية. فهي، في رأيي، أقدم من الوجود اليوناني والروماني في المنطقة بآلاف السنين، وتمثل إنجازًا لحضارات عربية سبقت تلك الإمبراطوريات. أما اليونان والرومان فلم يكونوا منشئي هذه الأنظمة، وإنما كانوا ورثتها. وقد أدركوا قيمتها الحيوية، فحافظوا عليها، ورمموها عند الحاجة، واستمروا في استخدامها لأنها كانت المصدر الدائم للمياه، وشريان الحياة الذي لا يمكن للمدن ولا للزراعة ولا للجيوش ولا للإدارة أن تستغني عنه.


ولذلك فإن بقاء هذه الأنفاق واستمرارها في أداء وظيفتها عبر تعاقب الدول والإمبراطوريات ليس دليلًا على أنها من إنشاء آخر من استخدمها، بل هو دليل على عبقرية الانسان الأردني الذي أنشأها أول مرة.


فالدول تتغير، والحدود تتبدل، والإمبراطوريات قد تقوم ثم تزول، أما المنشآت الحضارية الكبرى فإنها تبقى ما دامت تحقق وظيفتها، فتتعاقب عليها الدول كما يتعاقب الناس على الطريق نفسه، دون أن يصبح الطريق من صنع آخر من مر عليه.


ومن هنا فإنني أعد هذه الأنفاق، والأفلاج، والفقارات، وشبكات الحصاد المائي، والقنوات الفخارية، شواهد حية على وجود حضارة عربية هندسية قديمة ومتقدمة، استطاعت أن تطور علم إدارة المياه قبل آلاف السنين، وأن تنشر معارفها عبر طرق التجارة والهجرات وشبكات التواصل الحضاري، حتى أصبحت هذه المعرفة إرثًا مشتركًا في أنحاء واسعة من الجزيرة العربية والهلال الخصيب.


وأرى أن إعادة بناء تاريخ هذه المدرسة الهندسية يمثل مفتاحًا لإعادة قراءة تاريخ الحضارة العربية القديمة، بعيدًا عن التصورات التي تنسب كل إنجاز حضاري في المنطقة إلى القوى التي حكمتها في عصور متأخرة.


نفق باشان ونظرية استمرارية الحضارة


لا يمثل النفق المائي في باشان إنجازًا هندسيًا معزولًا، بل يمثل، في تقديري، مفتاحًا لإعادة قراءة تاريخ الحضارات في المشرق العربي من منظور مختلف. فالتاريخ اعتاد أن يربط الحضارة بالدولة، وأن يجعل سقوط الدولة نهايةً لحضارتها، بينما تشير الشواهد المادية إلى حقيقة مغايرة؛ إذ إن الحضارة لا تنتقل مع الدول، وإنما تنتقل مع مؤسساتها، ومعارفها، وتقنياتها، وخبراتها المتراكمة.


فالدول والإمبراطوريات كيانات سياسية مؤقتة، أما المعرفة فهي كيان حضاري طويل العمر. ولهذا فإن الإمبراطوريات قد تقوم وتنهار، بينما تستمر المؤسسات التي تقوم عليها الحياة، لأنها ليست ملكًا لدولة بعينها، بل ملك للمجتمع الذي أوجدها، وللإنسان الذي يحتاج إليها من أجل البقاء.


ويقدم نفق باشان دليلًا واضحًا على هذه الحقيقة. فمثل هذا المشروع لا يمكن أن يكون نتاج قرار سياسي عابر، ولا عملًا هندسيًا محدودًا، بل هو ثمرة خبرة طويلة في معرفة طبقات الأرض، واتجاهات المياه، وقياس المناسيب، وتقنيات الحفر، وإدارة الموارد. وهذه الخبرة لا تنشأ في جيل واحد، ولا تزول بسقوط دولة واحدة، وإنما تتراكم عبر قرون، ثم تنتقل إلى الأجيال اللاحقة بوصفها جزءًا من الذاكرة الحضارية للمجتمع.


ومن هنا فإن بقاء النفق واستمرار الاستفادة منه عبر تعاقب القوى التي سيطرت على المنطقة ليس دليلًا على أن كل قوة هي التي أنشأته، وإنما دليل على أن جميع تلك القوى أدركت قيمته الحيوية، فحافظت عليه واستثمرته. فالسلطة الجديدة قد تغير الإدارة، وتبدل القوانين، وتنقل العاصمة، لكنها لا تهدم مصدر الماء الذي تقوم عليه حياة السكان، بل تعمل على صيانته؛ لأن استمرار العمران مرتبط باستمرار المورد.


وهذا المبدأ لا يقتصر على نفق باشان، بل يتكرر في نفق وادي شعيب الذي ما زال يؤدي وظيفته حتى اليوم، كما يتجلى في أنظمة الحصاد المائي التي طورها الأردنيون القدماء، وفي الإبداع النبطي الذي حول البيئة الصخرية في البتراء إلى منظومة متكاملة لإدارة المياه، مستخدمًا السدود والخزانات والقنوات والأنابيب الفخارية وفق متطلبات كل موقع.


كما يظهر في الأفلاج العمانية، والفقارات في الجزيرة العربية، وأنظمة القنوات الجوفية المعروفة بالـ Qanat، التي تعكس جميعها اهتمامًا مشتركًا بإدارة المياه بوصفها أساس الاستقرار الحضاري.


إن هذا التشابه لا يكشف، في رأيي، عن تكرار عفوي للحلول الهندسية، وإنما عن استمرارية تقليد معرفي ظل ينتقل بين المجتمعات، ويتكيف مع البيئات المختلفة، مع احتفاظه بجوهره التقني. فالوسائل قد تختلف، لكن المبادئ الهندسية تبقى واحدة، لأن المعرفة لا ترتبط بشكل الأداة، وإنما بالفكرة التي تقوم عليها.


ومن هنا أصل إلى نتيجة أراها ذات أهمية في تفسير تاريخ المنطقة، وهي أن الحضارة لا تنتقل مع الدول، وإنما تنتقل مع المعرفة والمؤسسات. فالدول قد تسقط، والإمبراطوريات قد تزول، لكن نظم المياه تبقى، والطرق تبقى، وأنظمة التعدين تبقى، والمقاييس والأوزان تبقى، وأساليب البناء تبقى، لأن المجتمع لا يستطيع أن يبدأ من الصفر كلما تبدلت السلطة. ولهذا فإن كل دولة جديدة ترث البنية الحضارية التي سبقتها، ثم تضيف إليها أو تعدل فيها، لكنها لا تنشئها من جديد.


ويؤيد التاريخ هذه الظاهرة في أمثلة كثيرة؛ فقد ورث الفرس كثيرًا من النظم الإدارية والطرقية التي سبقتهم، وورث اليونان والبطالمة والرومان شبكات الطرق والمرافئ والمنشآت المائية في الأقاليم التي دخلوها، ثم حافظوا عليها وطوروها لأنها كانت تمثل البنية الأساسية للدولة والاقتصاد.


كما ورثت الدول الإسلامية كثيرًا من الدواوين، وأنظمة الري، والطرق، والمنشآت العمرانية، ثم أعادت تنظيمها وتطويرها دون أن تبدأ من فراغ. وهكذا فإن الحضارة تستمر رغم تغير الحكام، لأن استمرار المجتمع يفرض استمرار مؤسساته الحيوية.


وعلى هذا الأساس، فإنني أرى أن النفق المائي في باشان ليس مجرد أثر هندسي، بل وثيقة حضارية تثبت أن المعرفة أطول عمرًا من الدولة، وأن المؤسسات أبقى من الإمبراطوريات، وأن التقنية أكثر قدرة على عبور الزمن من السلطة السياسية.


وإذا كان التاريخ قد اعتاد أن يدرس تعاقب الملوك والجيوش والدول، فإن الوقت قد حان لإعادة كتابة جانب من هذا التاريخ من خلال دراسة استمرارية المؤسسات التي حافظت على الحياة نفسها.


فالماء، والطريق، والمناجم، والقياسات، والهندسة، ليست شواهد على تاريخ دولة بعينها، بل شواهد على تاريخ حضارة كاملة استطاعت أن تتجاوز حدود الدول، وأن تستمر عبر آلاف السنين مهما تغيرت الأسماء والرايات.


وأرى أن هذا القانون لا يقتصر على هندسة المياه وحدها، بل يمتد إلى سائر المؤسسات الحضارية الكبرى. فالطرق الرئيسة التي ربطت الأقاليم ظلت تؤدي وظائفها عبر تعاقب الممالك والإمبراطوريات، كما استمرت مناطق التعدين والإنتاج في رفد الاقتصادات المتعاقبة، وبقيت المقاييس والأوزان والمعايير التجارية تنتقل بين الحضارات مع ما يطرأ عليها من تطوير، وتوارثت الأمم أساليب البناء والعمارة،


كما ورثت كثيرًا من النظم الإدارية والفنية التي أثبتت كفاءتها. وهكذا فإن تاريخ الحضارة لا يُقرأ من خلال أسماء الدول وحدها، وإنما من خلال استمرارية المؤسسات التي حافظت على العمران، وضمنت استمرار الحياة، وربطت الماضي بالحاضر.


غير أن مناقشة هذه التطبيقات جميعها تحتاج إلى دراسات مستقلة، لأن لكل واحد منها أدلته ومساره التاريخي الخاص. ولذلك سأقتصر في هذا الموضع على النفق المائي بوصفه النموذج الأول الذي يكشف هذا القانون، على أن يعود الكتاب في فصول أخرى إلى تطبيق المنهج نفسه على الطرق، والتعدين، والعمارة، والإدارة، وغيرها من عناصر البناء الحضاري بإذن الله، لإثبات أن ما يبدو في ظاهره تاريخًا لدول متعاقبة هو، في جوهره، تاريخ حضارة واحدة استمرت في إنتاج المعرفة ونقلها وتطويرها عبر العصور، مهما تبدلت الدول والإمبراطوريات التي حكمت أرضها.


انتهت (97) وتليها (ح98) بعون الله تعالى وهي عن مواصلة الحديث عن أهمية وأثر مشروع الأنفاق في استمرارية العمران وحماية الدولة قديما




مواضيع قد تهمك