أ. د. كامل محادين : الأردن لا يحتاج شعارات .. بل رجال دولة وأفعالًا تليق بالوطن
ليس الانتماء للأردن كلمة تُقال في المناسبات، ولا شعارًا يُرفع في المواسم، ولا خطابًا يعلو ثم يخفت صداه. فالانتماء موقف، وضمير، وسلوك يومي، وعهد يتجدد مع كل فجر يشرق على ثرى هذا الوطن الذي صنعه الهاشميون بالإرادة، وحماه الأردنيون بالتضحية، وبنوه بالعرق والإخلاص.
الأوطان لا يحفظها صخب المنابر، وإنما يحفظها الرجال والنساء الذين يعملون بصمت، ويؤمنون بأن خدمة الوطن شرف، وأن الأمانة مسؤولية، وأن الإخلاص قيمة لا تعرف المساومة. فالأردن لم يبلغ مكانته بالكلمات، بل بسواعد الفلاحين، وسهر الجنود، ورسالة المعلمين، وإخلاص العمال، وجهود كل مواطن جعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
وحين تكون المدرسة مصنعًا للوعي، والمستشفى عنوانًا للكرامة الإنسانية، والجامعة منارةً للعلم، والمؤسسة العامة نموذجًا للنزاهة والكفاءة، يصبح الانتماء واقعًا يُلمس، لا شعارًا يُستهلك. فالعدل، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، واحترام الإنسان، هي المعاني الحقيقية للوطنية، وهي الأساس الذي تُبنى عليه الدول القوية.
من هنا، فإن أي جهد وطني صادق يستهدف الارتقاء بالأداء العام وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات دولته، يستحق التقدير والدعم. وفي هذا السياق، تبرز الجهود التي تقودها حكومة دولة الدكتور جعفر حسان، والتي تعكس حرصًا على ترسيخ ثقافة الإنجاز، والمتابعة الميدانية، وتسريع تنفيذ البرامج، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ورغم أن الإصلاح مسار تراكمي يحتاج إلى الوقت والصبر، فإن الجدية في العمل، والاقتراب من هموم المواطنين، والسعي إلى تحسين جودة الخدمات وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة، تمثل مؤشرات إيجابية تستحق أن تحظى بالمساندة، لأن نجاح أي حكومة في أداء واجبها هو نجاح للدولة، ومكسب لكل أردني.
لكن، وفي المقابل، يبقى من المؤسف أن
يرتفع أحيانًا صوت المزايدة على الوطن، بينما تتراجع قيمة العمل الحقيقي من أجله. فالوطن لا يحتاج إلى من يحتكر الحديث باسمه، وإنما إلى من يصون مقدراته، ويحترم القانون، ويحافظ على المال العام، ويؤدي واجبه بإخلاص. فالانتماء لا يُقاس بعلو الصوت، وإنما بصدق الفعل، ولا تُثبت الوطنية بالشعارات، وإنما بالمواقف.
من دلاغة إلى تتن، ومن تل الرماح إلى كل قرية ومدينة وبادية في أردننا الغالي، تتجسد صورة الانتماء في الناس البسطاء الذين لم يتعلموا حب الوطن من الخطب، بل من تعب الحياة، ومن الإيمان بأن استقرار الأردن هو استقرار لكل بيت، وأن عزته هي عزة لكل مواطن.
ان الوطن بحاجة إلى خطاب يرتقي إلى مستوى المسؤولية، ويبتعد عن الشعبوية والمزايدات، ويجعل من الإصلاح برنامجًا عمليًا لا مجرد وعود. فالإصلاح يبدأ بإنصاف المعلم، وتقدير الجندي، ودعم المزارع، ورعاية العامل، وتمكين الشباب، وترسيخ العدالة، لأن الإنسان الأردني كان وسيبقى الثروة الحقيقية لهذا الوطن.
سيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، أكبر من المصالح الضيقة، وأسمى من الحسابات الآنية، وأقوى بوحدة شعبه وتماسك مؤسساته. وسيظل الانتماء الحقيقي هو أن نحمل الوطن في ضمائرنا قبل أن نحمله على ألسنتنا، وأن نترك للأجيال القادمة وطنًا أكثر قوة وعدلًا وازدهارًا.
فحين يتحول الانتماء إلى عمل، والإصلاح إلى إنجاز، والمسؤولية إلى ثقافة، يصبح الأردن كما نريده جميعًا: وطنًا يفاخر بأبنائه، ويفتخر أبناؤه بالانتماء إليه.
والله من وراء القصد.