الأمن الغذائي في الأردن يسير بثقة.. وقياس الجاهزية يعزز نجاحه
عبدالله الربيحات
عمان - جاءت التوجيهات الملكية الأخيرة بتعزيز المخزون الإستراتيجي في توقيت لا يحتمل التأجيل، وباشرت وزارة الصناعة والتجارة والتموين تنفيذها فور صدورها، فأصدرت تقرير كفاية المخزون الإستراتيجي في الرابع من الشهر الجاري.
والسياق العالمي المحيط بهذا التوجيه معروف لمن يتابع أسواق الغذاء، موجات مناخية تضرب مناطق الإنتاج الكبرى وتخفض الغلال دون سابق إنذار، ونزاعات جيوسياسية تعيد رسم مسارات التجارة، واضطرابات في النقل البحري ترفع أقساط التأمين وتطيل مدد الشحن، وتقلبات سعرية حادة في أسواق السلع، وقيود تصديرية تفرضها دول منتجة حين تقرر حماية سوقها الداخلية أولاً.
والدرس المشترك بين هذه المخاطر جميعا، أن انقطاع الغذاء نادراً ما ينشأ من نقص في الإنتاج العالمي، وإنما من عطل بقدرة السلعة على العبور، سفينة تنتظر، وميناء يتوقف، واعتماد مستندي يتأخر.
والمخزون الإستراتيجي ليس رصيدا ساكنا، وإنما تدفق متحرك يستهلك يعاد بناؤه في آن واحد، ولتوضيح الفكرة يكفي مقارنة بسيطة بين قراءتين رسميتين متتاليتين، ففي مطلع تموز "يوليو" بلغ الرصيد الفعلي من القمح 674 ألف طن، وارتفعت الكفاية الإجمالية مع الكميات المتعاقد عليها إلى 10.3 شهر.
وفي 4 آب "أغسطس" الحالي بلغ الرصيد الفعلي 610 آلاف طن، والكفاية الإجمالية 9.6 شهر، فالفارق طبيعي تماماً ولا يستدعي قلقاً، لأنه يعكس الاستهلاك الشهري المعتاد البالغ نحو 95 ألف طن.
لكنه يكشف حقيقة تحليلية مهمة، أن أي رقم للمخزون هو صورة فوتوغرافية للحظة واحدة من عملية متحركة، وأن السؤال الحقيقي ليس "كم لدينا اليوم؟" بل "ما العلاقة بين معدل السحب ومعدل إعادة التوريد؟".
فدولة تحتفظ بستة أشهر وتستطيع تعويض شحناتها خلال أسبوعين أكثر أماناً من دولة تحتفظ بعشرة شهور وتحتاج ثلاثة أشهر لإتمام دورة شراء واحدة.
وهنا تحديدا تبرز فائدة الانتقال من قياس الحجم إلى قياس الجاهزية، وهو انتقال نتيحة منهجية وهي إطار تحليلي يستبدل "نقاط الضعف" باحتياجات قابلة للمعالجة والتمويل، ويستبدل "التهديدات" باستثناءات، أي نجاحات قائمة فعلاً في مواقع محددة ويمكن تعميمها فتصلح لمنظومة قيد البناء والتطوير، وهو حال منظومة المخزون الإستراتيجي بعد التوجيهات الملكية.
توزيع عناصر الجاهزية
ويقول خبير الأمن الغذائي د.فاضل الزعبي إن تطبيق هذا الإطار على المخزون لا يحتاج معادلات رياضية، بل يحتاج توزيع عناصر الجاهزية التسعة على الأسئلة الخمسة، حجم المخزون الفعلي والكميات المتعاقد عليها تُقرأ ضمن نقاط القوة؛ وتنوع مصادر الاستيراد وسرعة إعادة التوريد ومرونة سلاسل الإمداد تُقرأ ضمن التحسينات، لأنها قائمة وتحتاج تطويراً؛ والمخاطر اللوجستية واستقرار الأسواق العالمية تُقرأ ضمن الاحتياجات، لأن معالجتها تتطلب استثماراً وبنية؛ واستمرارية القطاع الخاص والقدرة على الاستجابة للطوارئ تُقرأ ضمن الاستثناءات، أي التجارب التي أثبتت نجاحها ويُبنى عليها.
أما الفرص فهي الحيز غير المستغل، عقود آجلة، ومخزون إقليمي مشترك، وقدرات تخزينية غير مستثمرة بالكامل.
ويبين تقرير الحكومة أن رصيد القمح المتوافر فعلياً في المستودعات يبلغ نحو 610 آلاف طن تكفي 6.4 شهر، تُضاف إليها 302 ألف طن متعاقد عليها وفي الطريق تكفي 3.2 شهر، ليصل الإجمالي إلى 9.6 شهر.
بينما يبلغ رصيد الشعير 609 آلاف طن تكفي 7 أشهر، مع 220 ألف طن في الطريق تكفي 2.5 شهر، ليصل الإجمالي إلى 9.5 شهر.
أما بقية السلع فتتراوح كفايتها بين شهرين وأربعة أشهر، السكر نحو شهرين ونصف، والأرز نحو ثلاثة أشهر ونصف، والزيوت النباتية بين شهرين ونصف وثلاثة أشهر، والبقوليات بين شهرين وأربعة أشهر بحسب الصنف، والحليب المجفف نحو ثلاثة أشهر، والذرة العلفية أكثر من ثلاثة أشهر.
وأضاف الزعبي، القراءة التقليدية تتوقف عند وصف هذه المستويات بأنها مطمئنة، وهي كذلك بالفعل، لكن القراءة القائمة على الجاهزية تلاحظ أمرين لا يظهران في الرقم الإجمالي. الأول أن ثلث كفاية القمح المعلنة، أي 3.2 أشهر من أصل 9.6، لا يزال خارج حدود المملكة، متعاقداً عليه وفي طريقه بحراً.
وتابع، هذه الكمية معرّضة بطبيعتها للخطر نفسه الذي وُجد المخزون لتحصين البلاد منه ، اضطراب النقل البحري، لذلك من الأدق منهجيا التمييز بين "الكفاية السيادية المحققة" الموجودة داخل المستودعات، و"الكفاية التعاقدية" التي تتحقق عند الرصيف.
والثاني أن المنظومة تعمل بمستويين مختلفين، سلع تشتريها الدولة بعطاءات دورية فتتجاوز كفايتها تسعة أشهر، وسلع يتولاها المستوردون فتتراوح كفايتها بين شهرين وأربعة أشهر. وهذا التباين ليس خللاً، بل انعكاس لنموذجي شراء مختلفين.
وقال إن الاعتراف بهذا التباين يقود إلى الاستنتاج الأهم وهو: جاهزية أي منظومة تُقاس بحلقتها الأقصر لا بحلقتها الأطول، فلو افترضنا سيناريو إغلاق أو ازدحام حاد في منفذ الاستيراد الرئيسي لمدة ثلاثة أشهر، فإن القمح والشعير يتجاوزان الأزمة بأريحية، بينما يقترب السكر والزيوت النباتية من حدودهما.
ومن هنا تنبع الأسئلة التي يفرضها إطار الجاهزية، ماذا لو تعطلت الموانئ أو تأخر التفريغ؟ ماذا لو تضاعفت أسعار الشحن والتأمين خلال أسابيع؟ ماذا لو توقف مورّد رئيسي واحد؟ إلى أي مدى تتنوع مصادر الاستيراد فعلياً لكل سلعة على حدة، لا للسلة ككل؟ كم تستغرق دورة كاملة من طرح العطاء إلى دخول الشحنة المستودع؟ وما القدرة المالية الفعلية للقطاع الخاص على تمويل مخزون إضافي إذا طُلب منه ذلك؟ هذه أسئلة لا يجيب عنها عدد الأشهر، لكنها هي التي تحدد ما سيحدث فعلاً يوم الأزمة.
ويشير التقرير الحكومي إلى أن تحصين المخزون جاء ثمرة تنسيق مباشر مع غرفتي تجارة الأردن وصناعة الأردن ومع التجار والمستوردين والقطاع الصناعي، إلى جانب استمرار الجولات الرقابية ومتابعة السلاسل التموينية.
وهذه ملاحظة جوهرية لأن الجزء الأكبر من مخزون السلع غير الحبوب موجود أصلاً في مستودعات القطاع الخاص لا في مستودعات الدولة، ومعنى ذلك أن المخزون الوطني الحقيقي هو مجموع المخزونين العام والخاص، وأن هذا المجموع لا يصبح أصلاً استراتيجياً قابلاً للإدارة إلا إذا كان مرئياً لصانع القرار بصورة دورية ومنتظمة.
والانتقال من التنسيق القائم على العلاقة الشخصية وحسن النية إلى منظومة تشاركية للبيانات، تربط الجهات الرقابية بالمستوردين والصناعيين وتتيح رؤية آنية للمخزون والعقود المستقبلية، هو أوضح احتياج تكشفه قراءة الأرقام الحالية، وأقل الاستثمارات كلفة وأعلاها عائداً في هذا الملف.
وزاد، ينسجم هذا التوجه مع تحول أوسع بالمعايير الدولية لتقييم الأمن الغذائي، حيث صار مفهوم المرونة الغذائية (Food System Resilience) محور القياس، والمرونة هنا ليست وفرة، وإنما ثلاث قدرات متتابعة: قدرة على امتصاص الصدمة دون انقطاع، وقدرة على التكيف بتغيير المصادر والمسارات، وقدرة على إعادة التشكّل بحيث تخرج المنظومة من الأزمة أقوى مما دخلتها.
والأردن، رغم محدودية موارده المائية واعتماده الكبير على الاستيراد، بنى على مدى السنوات الماضية منظومة أثبتت قدرتها على الصمود عبر التخطيط الاستباقي والتعاقدات المستقبلية وتنويع مصادر الاستيراد والشراكة مع القطاع الخاص والمتابعة المستمرة للأسواق العالمية.
وهذه بالضبط هي "الاستثناءات" بالمعنى التحليلي: نجاحات وطنية مثبتة يمكن البناء عليها وتوسيعها إلى السلع التي لم تشملها بعد.
فالنجاح في هذا الملف لا يقاس بعدد أشهر المخزون وحده، وإنما بقدرة الدولة على إبقاء الغذاء متدفقا في ظروف مختلفة، بعضها لم يقع بعد، والأرقام الصادرة عن الوزارة تمثل نقطة انطلاق سليمة، لكن قيمتها الحقيقية تتحقق حين تتحول من بيان طمأنة دوري إلى مادة خام لتقييم جاهزية منتظم يقيس تنوع المصادر وسرعة إعادة التوريد وهشاشة المنافذ وقدرة القطاع الخاص على الاستجابة. وهذا ما يجعل إطار NOISE مفيداً لصانع القرار: فهو يحوّل السؤال من "هل المخزون كافٍ؟" إلى "ما الذي نحتاجه، وما الذي يمكن تحسينه، وما النجاح القائم الذي نستطيع تعميمه؟".
الأمن الغذائي بهذا المعنى ليس رقماً يُبلَّغ به مرة كل شهر، وإنما عملية ديناميكية قوامها الرصد المستمر وإدارة المخاطر والشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص. وما تحقق حتى الآن يشير إلى أن الأردن يسير في هذا الاتجاه بثقة، وأن الانتقال من قياس الكميات إلى قياس الجاهزية هو الخطوة التالية المنطقية.
ــ الغد