ابراهيم عبدالمجيد القيسي : ضبع في قريتنا..!
كانت الضباع تحوف القرية في ليالي الصيف، وكانت الغنم «تهجّ»، وتستنفر الكلاب، وتتعالى الأصوات من بيوت الشعر، الضبع .. الضبع يا عرب، وأحيانا يتمخض هذا الهجوم عن خسائر موجهة لبعض الناس، فهذا ربما خسر شاة أو أكثر، تختفي وتسجل في عداد الأغنام التي «أكلها الضبع»، وأحيانا تكون الخسارة حمارا كاملا
وقد يجرح الضبع بعض الأغنام والمواشي، وأذكر أن والدي رحمه الله خلص شاة «نعجة» من فم أحد الضباع، وكانت متضررة بشدة في أحدى أطرافها الأمامية، وفي أعلى رقبتها، وأحيانا كان الضبع يقتل الأغنام، ولا يجد وقتا ولا فرصة لجرها معه، فيتركها ويهرب، بسبب النفير العام في العرب كلها، وقد كان والدي يطبب الاغنام المصابة، بوصفة غريبة، لم افهمها أو أقتنع بها حتى اليوم، حيث كان يجلب «حزام جلد»، ويستمر بحثه باستخدام الشبرية، فيجمع رذاذ الحزام ويضعه فوق الجرح الذي تسبب به فك الضبع الشرس.. كانت ليالي الضباع مثيرة وجميلة، ووصلة الأصوات البشرية والحيوانية «المفزوعة» وهي تشق سكون الليل، استثنائية غارقة بمشاعر خوف الأمهات على الأطفال، وخوف الرعاة والناس على ثروتهم من المواشي والأغنام، فهجوم الضباع كان دوما يسفر عن خسائر، وكأنه غزو عسكري خطير.
أمس وقبله بليلة، تناقل الناس من قريتنا «الربة» صورا لضبع دهسته سيارة، وانتشر فيديو بين الناس، يظهر فيه ضبع مدهوس ويتألم، الخبر والفيديو نالا إثارة غير مكتملة، فقليل من الناس يعرف عن الضباع، وغزواتها، ولم يتحدث أحد عن الأمر مبتهجا مثلي، فأنا شعرت بسرور وطمأنينة أنه ثمة في مناطقنا بيئة، وطبيعة، ما زالت صامدة، بضباعها وثعالبها، فوق وفرة الكلاب الضالة، وربما لم يتساءل أحد عن شجاعة بل بأس هذا الضبع، الى الدرجة التي جعلته يدخل مناطق مأهولة، ولا طرائد فيها سوى قطط أو كلاب نادرا ما تكون منفردة، ولم بعجبني من التعليقات سوى ما قاله شقيقي محمد، حيث برر تصرف الضبع بأنه بسبب «الجوع»..