اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

الدكتورة دانييلا القرعان : ألم يحن الوقت؟... المقابر تتمدد والأرض تنكمش...

الدكتورة دانييلا القرعان : ألم يحن الوقت؟... المقابر تتمدد والأرض تنكمش...
أخبارنا :  

كلما ضاقت بنا المدن، بحثنا عن حلول مبتكرة، نبني الأبراج بدل البيوت المنخفضة، ونشق الجسور بدل توسيع الطرق، ونستثمر كل متر من الأرض بعناية لكن هناك ملفاً مهماً ما زلنا نتعامل معه بالطريقة نفسها منذ مئات السنين، كأن الزمن لم يتغير، وهو ملف المقابر.


ليس في الأمر انتقاص من حرمة الموتى، فكرامتهم من ثوابت ديننا وقيمنا، ولكن السؤال الذي ينبغي ألا نخشى طرحه هو: إلى متى سيبقى الدفن الأفقي هو الخيار الوحيد، بينما يزداد عدد السكان عاماً بعد عام، وتتمدد المدن، وتتراجع الأراضي المتاحة؟


لأنه إذا استمر معدل الوفيات ومعه استمرار تخصيص قبر مستقل لكل متوفى إلى الأبد، فإن المقابر ستواصل التمدد جيلاً بعد جيل، قد لا نشعر بالمشكلة اليوم، لكن ماذا عن مئة عام؟ وماذا عن مئتي عام؟ هل من الحكمة أن نترك الأجيال القادمة تواجه هذا التحدي دون أن نبدأ التفكير فيه منذ الآن؟


العجيب أننا نتحدث باستمرار عن الأمن الغذائي، والأمن المائي، والاستدامة البيئية، بينما نغفل جانباً مهماً من إدارة الأرض التي هي ليست مورداً لا ينفد، فكل مساحة تُخصص اليوم تبقى خارج الاستخدام لعقود طويلة، وربما لقرون.


من هنا، فإن السؤال ليس هل نغيّر أحكام الدين؟ فهذا أمر لا يملكه أحد. وإنما السؤال: هل اجتهدنا بما يكفي داخل الإطار الشرعي للبحث عن حلول جديدة؟ وهل جلس الفقهاء يوماً مع مهندسي المدن، وخبراء التخطيط العمراني، وعلماء البيئة، لبحث مستقبل المقابر في عالم يتغير بسرعة؟


إن دولًا كثيرة سبقت إلى مناقشة هذه الإشكالية، فاعتمد بعضها المدافن العائلية، واتجه بعضها الآخر إلى حلول هندسية تقلل استهلاك الأراضي، أما نحن، في الأردن، فما زلنا نتجنب مجرد طرح السؤال، وكأن التفكير في المستقبل من المحرمات.


إن الاجتهاد الفقهي عبر التاريخ لم يتوقف عند شكل واحد من أشكال إدارة شؤون الناس، بل كان دائماً يستجيب للمتغيرات ويحفظ المقاصد الكبرى للشريعة، فلماذا لا يكون ملف المقابر واحداً من الملفات التي تستحق دراسة هادئة ومسؤولة؟ لماذا لا يكون ملف المقابر ضمن البرنامج الانتخابي لمرشح كرئيس بلدية أو لمرشح كعضو مجلس النواب؟


لسنا ندعو إلى هدم المقابر، ولا إلى المساس بحرمة الموتى، ولا إلى استيراد تجارب الآخرين دون تمحيص، نحن ندعو فقط إلى حوار وطني شجاع، يشارك فيه الفقيه، والمهندس، والطبيب، والمخطط الحضري، ورجل القانون، للوصول إلى حلول تحافظ على كرامة الإنسان وتحمي الأرض في آن واحد.


إن أعظم ما يقتل الأفكار ليس خطؤها، بل الخوف من مناقشتها، فهل آن الأوان لفتح هذا الملف بعقل مفتوح، قبل أن تفرضه علينا الجغرافيا والديموغرافيا؟ أم نترك المقابر تتمدد بصمت فيأتي يوم تصبح فيه الأرض أضيق من أن تتسع للأحياء والأموات معاً؟


مواضيع قد تهمك