د. دانييلا القرعان : رأي حيادي
ليس مهرجان جرش مجرد حفلات غنائية أو أمسيات شعرية، بل هو أكبر حدث ثقافي وسياحي تشهده محافظة جرش كل عام، ولذلك فإن نجاحه الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الزوار أو الفنانين المشاركين، وإنما أيضاً بحجم الأثر الاقتصادي الذي يتركه في بيوت أبناء المحافظة.
عندما تستضيف مدينة صغيرة حدثاً وطنياً بهذا الحجم، فإن أول ما ينتظره أهلها هو أن تتحرك عجلة الاقتصاد المحلي؛ أن تنتعش المطاعم والمحال التجارية، وأن يزداد إشغال الفنادق، وأن ترتفع مبيعات الحرفيين وأصحاب البسطات، وأن يجد الشباب فرصة عمل، ولو مؤقتة، تساعدهم على مواجهة ظروف الحياة الصعبة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل حصل أبناء جرش هذا العام على نصيبهم العادل من هذه الفرص؟
الوظائف الموسمية التي يحتاجها المهرجان، سواء في التنظيم، والاستقبال، والإرشاد، والأمن المساند، وإدارة الحشود، والخدمات اللوجستية، ينبغي أن تكون الأولوية فيها -من وجهة نظري- لأبناء المحافظة، فهم الأعرف بمدينتهم، والأحرص على نجاح مهرجان يحمل اسمها، والأكثر استحقاقاً لأن ينعكس ريعه على أسرهم.
لا يتعلق الأمر بالمحاباة أو التمييز، بل بمبدأ اقتصادي معمول به في كثير من دول العالم، وهو أن المشاريع الكبرى المقامة في أي منطقة يجب أن تمنح المجتمع المحلي أولوية في فرص العمل والاستفادة الاقتصادية، أما إذا كانت بعض هذه الوظائف تذهب إلى عمالة من خارج المحافظة، رغم وجود شباب وشابات من جرش يمتلكون الكفاءة والاستعداد فأن ذلك يعني – من حيث النتيجة – انتقال جزء من الأثر الاقتصادي الى خارج المدينة، وضياع فرص كانت كفيلة بإدخال دخل إضافي إلى أسرة جرشية، لا يعني هذا إغلاق الباب أمام أبناء المحافظات الأخرى، فالمهرجان مهرجان الأردن كله، لكن من المنطق أن تكون الأولوية أولاً لأبناء جرش، ثم تُستكمل الاحتياجات من بقية المحافظات إذا لزم الأمر.
في دورة هذا العام، أُعلن عن إشراك مئات المتطوعين في إدارة الحشود بالتعاون مع منصة "نحن" وهيئة شباب كلنا الأردن، كانت الفرصة موجهة لشباب إقليم الشمال، وهو أمر إيجابي في جانب التطوع واكتساب الخبرة، لكنه يختلف عن فرص العمل المأجورة التي ينتظرها كثير من شباب جرش الباحثين عن مصدر دخل.
إن أبناء جرش لا يطالبون بامتيازات، وإنما يطالبون بأولوية عادلة. فمن غير المنطقي أن يحمل المهرجان اسم مدينتهم، وتتحمل مدينتهم ازدحامه وضجيجه وأعباءه، ثم لا يكون أبناؤها أول المستفيدين من فرصه.
لعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذا السياق هو أن نجاح مهرجان جرش لا يكتمل إلا عندما يشعر كل بيت في جرش أن للمهرجان أثراً في معيشته، وأن كل شاب جرشي يرى فيه فرصة، لا مناسبة يشاهدها من بعيد. فإذا أردنا أن يكون مهرجان جرش مهرجاناً وطنياً بحق، لنجعل أول المستفيدين منه هم أبناء جرش أنفسهم، فهم أصحاب الدار ... وأولى بخدمة مهرجانهم.