د. عمر الرداد : هل تشارك اوروبا واشنطن في مواجهة عسكرية محتملة مع إيران؟
رغم خلافاتها المعقدة والشائكة مع ادارة الرئيس ترامب، الا ان الموقف الأوروبي تجاه إيران يشهد تحولات عميقة ومتسارعة، دون ان تعني حتى الآن انتقالاً أوروبياً جماعياً نحو المشاركة المباشرة في أية عمليات هجومية أميركية ضد طهران،فبعد تركيز العواصم الأوروبية لسنوات على احتواء البرنامج النووي الإيراني والحفاظ على قنوات الحوار، بدأت تتعامل مع إيران باعتبارها تهديداً أمنياً أوسع،لا يقتصر على الملف النووي، بل يشمل أمن الطاقة، الملاحة البحرية، انتشار الصواريخ، ودور الحرس الثوري في الإقليم.
هذا التحول لا يزال في إطار الاقتراب السياسي والأمني من واشنطن أكثر من كونه قراراً بالمشاركة في الحرب، فقد اصبح واضحاً أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا باتت أكثر تشدداً في خطابها تجاه إيران، خصوصاً بعد استهداف مصالح غربية في المنطقة،وتصاعد التهديدات الإيرانية ضد القواعد والمصالح الأميركية والأوروبية،كما أن الإجراءات الأمنية المتزايدة، وتعزيز حماية المنشآت الدبلوماسية والعسكرية،تعكس انتقالاً أوروبياً من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة الاستعداد لاحتمالات التصعيد، ويبدو ان هذا التحول مرتبط بتوسع قدرات إيران الصاروخية، ودور الحرس الثوري في ساحات متعددة، والهجمات على الملاحة والمنشآت الحيوية في المنطقة.
مع ذلك، فإن الحديث عن مشاركة أوروبية واسعة في ضربات عسكرية ضد إيران يبقى سابقاً لأوانه،فداخل أوروبا توجد انقسامات واضحة حول استخدام القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية أو قرارات مجلس الأمن، فبعض الدول ما زالت تميل لإعطاء أولوية للمسار الدبلوماسي وتخشى من تداعيات حرب إقليمية واسعة على أمن أوروبا واقتصاداتها، خصوصاً في ملفات الطاقة والهجرة والإرهاب، في حين ان الدول الابرز" بريطانيا، المانيا وفرنسا"تقترب من مواقف امريكا اكثر فاكثر لمواجهة ايران.
أما حلف شمال الأطلسي، فرغم تعزيز استعداداته الدفاعية في مناطق قريبة من التوتر، فإنه لم يتحول إلى طرف في مواجهة عسكرية مع إيران، فالناتو تاريخياً يفرق بين حماية أعضاء الحلف ومصالحه الدفاعية وبين المشاركة في عمليات هجومية خارجية، ولذلك فإن أي انخراط مباشر سيكون قراراً سياسياً وطنياً قبل أن يكون قراراً مؤسسياً للحلف، وفي المقابل، فإن احتمال انخراط بعض الدول الأوروبية بشكل غير مباشر يبقى قائماً، فالر اجح ان أوروبا تقدم دعماً استخباراتياً ولوجستياً، وتشارك في حماية طرق الملاحة، وتعزز الدفاعات الجوية والصاروخية لدى حلفائها، دون أن تدخل في عمليات هجومية مباشرة، وهو ما يتناسب مع طبيعة السياسة الأوروبية التي تحاول الحفاظ على التحالف مع واشنطن، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى تجنب حرب مفتوحة في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، فان احتمالات تغير الموقف الأوروبي تبدو واقعية، إذا انتقلت إيران من استهداف المصالح الأميركية إلى استهداف مصالح أوروبية مباشرة، سواء عبر ضرب قواعد أو سفن أو منشآت طاقة أو مواطنين أوروبيين، ففي هذه الحالة قد يصبح الضغط الداخلي على الحكومات الأوروبية أكبر، وقد تنتقل المشاركة من الدعم الدفاعي إلى أشكال أكثر تقدماً من الانخراط، ويرجح ان الحرس الثوري الايراني وعبر سلوكه سيوفر فرصة لاوروبا لمشاركة اوسع.