د .مي بكليزي : الحُبُّ والفَقْدُ في ضَوْءِ نَظَرِيَّةِ التَعَلُّقِ ل جون بولبي: قِرَاءَةٌ نَفْسِيَّةٌ لِانْهِيارِ الشَّخْصِيَّةِ
* قراءة في رواية زهرتي المخلدة للكاتبة راما الباز
بقلم: د .مي بكليزي
الحُبُّ مِرْآةُ النُّفُوسِ الأُولَى، وَأَكْثَرُهَا صِدْقًا. إِنَّهُ ذَلِكَ الْمُعْجِزُ الَّذِي يُعَرِّي أَرْوَاحَنَا مِنْ كُلِّ زَيْفٍ، فَلَا يُبْقِي فِيهَا إِلَّا الصِّدْقَ وَالْوَفَاءَ وَالْبَرَاءَةَ. وَهُوَ صِنْوُ الطُّفُولَةِ، السَّامِقُ إِلَى الطُّهْرِ وَالْعِفَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَرْوَاحَنَا مَا تَزَالُ غَضَّةً خَضْرَاءَ، قَادِرَةً عَلَى النَّبْضِ بِالْحَيَاةِ، وَتُخْبِرُنَا أَنَّنَا بِخَيْرٍ... بَلْ بِكُلِّ الْخَيْرِ.
فُلَانٌ، الَّذِي سَمَّى مَحْبُوبَتَهُ «زَهْرَتَهُ الْمُخَلَّدَةَ»، وَجَدَ فِيهَا كِتَابَهُ الْمُخَلَّدَ أَيْضًا؛ فَانْتَشَى بِحُبِّهَا، وَاخْتَالَ تِيهًا بِهَذَا الشُّعُورِ الَّذِي مَنَحَ حَيَاتَهُ أَلْفَ مَعْنًى، وَأَلْفَ مُبَرِّرٍ لِانْتِظَارِ غَدٍ يَتَّقِدُ شَوْقًا إِلَى لِقَائِهَا، وَالتَّحْدِيقِ فِي عَيْنَيْهَا، وَالْإِصْغَاءِ إِلَى صَوْتِهَا، وَالِانْتِشَاءِ بِحَدِيثِهَا.
لَقَدْ جَاءَتْ إِلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ، وَالْتَقَتْهُ فِي أَرْوِقَةِ الْمَكْتَبَةِ الَّتِي احْتَضَنَتْ لِقَاءَاتِهِمَا الدَّافِئَةَ، فَانْتَقَلَ مِنَ الْوَحْدَةِ الْخَانِقَةِ، وَالْفَرَاغِ النَّفْسِيِّ الْقَاتِلِ، وَضِيقِ الرُّوحِ، وَفَقْدَانِ مَعْنَى الْحَيَاةِ، إِلَى رَحَابَةِ الدُّنْيَا، وَاتِّسَاعِ الْأَمَلِ، وَكَأَنَّ الْكَوْنَ بِأَسْرِهِ قَدِ اجْتَمَعَ فِي حُضُورِهَا.
أَحَسَّ أَنَّهُ وَجَدَ ضَالَّتَهُ بَعْدَ طُولِ فَقْدٍ، وَبَلَغَ غَايَتَهُ بَعْدَ صَبْرٍ وَبَحْثٍ مَرِيرَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ الْقَدَرَ اخْتَطَفَهَا مِنْهُ، مُعْلِنًا رَحِيلَهَا إِلَى عَالَمِ الْمَوْتِ، فَسُلِبَتْ مَعَهَا الطُّمَأْنِينَةُ الَّتِي لَمْ يَكَدْ يَتَذَوَّقُهَا، وَانْطَفَأَتِ السَّعَادَةُ الَّتِي طَالَمَا افْتَقَدَهَا، وَعَادَتْ رُوحُهُ إِلَى تِيهِهَا الْقَدِيمِ، بَعْدَ أَنْ فَقَدَ الرُّكْنَ الَّذِي آوَى إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى الَّذِي تَشَبَّثَ بِهِ.
وَمِنْ مَنْظُورٍ نَفْسِيٍّ، شَكَّلَ هَذَا الْفَقْدُ صَدْمَةً وُجُودِيَّةً عَمِيقَةً لَدَى الشَّخْصِيَّةِ؛ إِذْ بَدَا الْعَالَمُ بَعْدَ رَحِيلِهَا خَالِيًا مِنَ الدَّلَالَةِ، وَعَادَ الْإِحْسَاسُ بِالْفَرَاغِ وَالْيَأْسِ لِيُهَيْمِنَ عَلَى حَيَاتِهِ. وَمَعَ تَرَاكُمِ مَشَاعِرِ الْعَجْزِ وَانْهِيارِ الْأَمَلِ، وَصَلَ إِلَى مَا رَآهُ هُوَ «نُقْطَةَ اللَّاعَوْدَةِ»، حَيْثُ لَمْ يَعُدْ يَتَخَيَّلُ إِمْكَانَ الْعَوْدَةِ إِلَى حَيَاتِهِ السَّابِقَةِ، وَلَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَصَوَّرَ مُسْتَقْبَلًا مِنْ دُونِهَا، فَغَدَا الِانْتِحَارُ فِي وَعْيِهِ الْمَأْزُومِ مَخْرَجًا أَخِيرًا مِنْ مُعَانَاتِهِ، وَهُوَ مَا يَكْشِفُ عَنِ الِانْهِيارِ النَّفْسِيِّ الْعَمِيقِ الَّذِي انْتَهَتْ إِلَيْهِ الشَّخْصِيَّةُ، لَا عَنْ سَلَامَةِ هَذَا الِاخْتِيَارِ أَوْ مَشْرُوعِيَّتِهِ.
يُمْكِنُ قِرَاءَةُ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ فِي ضَوْءِ نَظَرِيَّةِ التَّعَلُّقِ الَّتِي وَضَعَهَا عَالِمُ النَّفْسِ الْبِرِيطَانِيُّ جُونُ بُولْبِي؛ إِذْ يَرَى بُولْبِي أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْعَى مُنْذُ طُفُولَتِهِ إِلَى تَكْوِينِ رَوَابِطَ عَاطِفِيَّةٍ آمِنَةٍ تَمْنَحُهُ الشُّعُورَ بِالْأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَأَنَّ فَقْدَ شَخْصٍ أَصْبَحَ يُمَثِّلُ مَصْدَرًا لِهَذَا الْأَمَانِ قَدْ يُحْدِثُ اضْطِرَابًا نَفْسِيًّا بَالِغًا، يَتَنَاسَبُ مَعَ قُوَّةِ التَّعَلُّقِ بِهِ.
وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، تَبْدُو «زَهْرَتُهُ الْمُخَلَّدَةُ» أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ مَحْبُوبَةٍ؛ فَهِيَ تُمَثِّلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَطَلِ مَلَاذًا نَفْسِيًّا، وَمَصْدَرًا لِاسْتِعَادَةِ ذَاتِهِ بَعْدَ سِنِينَ مِنَ الْوَحْدَةِ وَالْفَرَاغِ الْوُجُودِيِّ. لَقَدْ أَعَادَتْ إِلَيْهِ الْإِحْسَاسَ بِقِيمَةِ الْحَيَاةِ، وَمَنَحَتْهُ مَعْنًى لِلْغَدِ، وَأَيْقَظَتْ فِيهِ الْأَمَلَ بَعْدَ طُولِ يَأْسٍ، حَتَّى غَدَتْ مِحْوَرَ عَالَمِهِ النَّفْسِيِّ وَرَكِيزَةَ اتِّزَانِهِ الِانْفِعَالِيِّ.
وَحِينَ اخْتَطَفَهَا الْمَوْتُ، لَمْ يَفْقِدْ شَخْصًا يُحِبُّهُ فَحَسْبُ، بَلْ فَقَدَ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ يُبَرِّرُ وُجُودَهُ، وَالرُّكْنَ الَّذِي اسْتَنَدَ إِلَيْهِ فِي مُوَاجَهَةِ الْحَيَاةِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى أَفْكَارُ بُولْبِي بِوُضُوحٍ؛ إِذْ يَتَحَوَّلُ فَقْدَانُ مَوْضُوعِ التَّعَلُّقِ إِلَى صَدْمَةٍ نَفْسِيَّةٍ عَنِيفَةٍ، تُؤَدِّي إِلَى انْهِيارِ الْإِحْسَاسِ بِالْأَمَانِ، وَسَيْطَرَةِ الْحُزْنِ الْمَرَضِيِّ، وَالشُّعُورِ بِالْفَرَاغِ، وَالْعَجْزِ عَنِ التَّكَيُّفِ مَعَ الْوَاقِعِ الْجَدِيدِ.
وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، فَإِنَّ اخْتِيَارَ الْبَطَلِ لِلِانْتِحَارِ لَا يُقْرَأُ بِوَصْفِهِ فِعْلًا نَابِعًا مِنَ الْحُبِّ ذَاتِهِ، وَإِنَّمَا بِوَصْفِهِ النَّتِيجَةَ الْمَأْسَاوِيَّةَ لِانْهِيارِ بِنْيَتِهِ النَّفْسِيَّةِ بَعْدَ فَقْدِ مَوْضُوعِ التَّعَلُّقِ الَّذِي أَصْبَحَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مَصْدَرَ الْحَيَاةِ وَمَعْنَاهَا. وَهَكَذَا يَغْدُو الِانْتِحَارُ فِي الرِّوَايَةِ عَلَامَةً عَلَى أَقْصَى دَرَجَاتِ الِانْكِسَارِ النَّفْسِيِّ، وَلَيْسَ تَعْبِيرًا عَنْ قُوَّةِ الْحُبِّ أَوْ مَشْرُوعِيَّةِ الْفِعْلِ.
وَتَكْشِفُ هَذِهِ النِّهَايَةُ عَنْ نَجَاحِ الباز فِي تَجْسِيدِ الْأَثَرِ النَّفْسِيِّ الْعَمِيقِ لِلْفَقْدِ، مِنْ خِلَالِ بِنَاءِ شَخْصِيَّةٍ انْتَقَلَتْ مِنَ الْعُزْلَةِ إِلَى الْأَمَلِ، ثُمَّ مِنَ الْأَمَلِ إِلَى الِانْهِيارِ الْكَامِلِ، فِي انْسِجَامٍ وَاضِحٍ مَعَ الْمَرَاحِلِ الَّتِي وَصَفَهَا بُولْبِي لِاسْتِجَابَةِ الْإِنْسَانِ لِفَقْدَانِ مَوْضُوعِ التَّعَلُّقِ.
عَبَرَتِ الرِّوايةُ مِنْ عَتَبَةِ «زَهْرَتِي الْمُخَلَّدَةِ» لِتُقِيمَ انْسِجَامًا دَلَالِيًّا عَمِيقًا مَعَ نِهَايَتِهَا، لَا مُفَارَقَةً كَمَا قَدْ يَبْدُو لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى. فَالْخُلُودُ الَّذِي أَوْحَى بِهِ الْعُنْوَانُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي صُورَتِهِ الْمَادِّيَّةِ؛ إِذِ اخْتَطَفَ الْمَوْتُ الْحَبِيبَةَ، وَأَعْقَبَهَا الْبَطَلُ بِنِهَايَتِهِ الْمَأْسَاوِيَّةِ. وَبِذَلِكَ انْتَقَلَتْ فِكْرَةُ الْخُلُودِ مِنْ حَيِّزِ الْبَقَاءِ الْجَسَدِيِّ إِلَى فِضَاءِ الْخُلُودِ الرُّوحِيِّ، حَيْثُ اجْتَمَعَ الْحَبِيبَانِ فِي عَالَمِ الْمَوْتِ، لَا فِي عَالَمِ الْحَيَاةِ.
وَتَأْتِي شَخْصِيَّةُ الطَّبِيبَةِ، بِثَوْبِهَا الْأَبْيَضِ وَحِوَارِهَا الْهَادِئِ مَعَ الْبَطَلِ، لِتُمَثِّلَ صَوْتَ الْوَعْيِ وَالْمَوْقِفِ الْأَخْلَاقِيِّ فِي الرِّوَايَةِ؛ إِذْ تُوَاجِهُهُ بِفَدَاحَةِ اخْتِيَارِهِ، وَتُبَيِّنُ لَهُ أَنَّ انْتِهَاءَهُ إِلَى الِانْتِحَارِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى سُمُوِّ الْحُبِّ، بَلْ هُوَ اخْتِيَارٌ مَرَضِيٌّ نَابِعٌ مِنِ انْهِيارٍ نَفْسِيٍّ عَمِيقٍ، يَحْمِلُ عَوَاقِبَ وَخِيمَةً.
وَمِنْ ثَمَّ، تُؤَكِّدُ الرِّوَايَةُ أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يَقُودُ إِلَى إِهْلَاكِ النَّفْسِ، بَلْ إِلَى تَعْمِيقِ مَعْنَى الْحَيَاةِ. أَمَّا مَا انْتَهَى إِلَيْهِ الْبَطَلُ، فَلَيْسَ انْتِصَارًا لِلْحُبِّ، وَلَا تَجْسِيدًا لِلْخُلُودِ، بَلْ صُورَةٌ مُؤْلِمَةٌ لِانْهِيارِ الْإِنْسَانِ أَمَامَ الْفَقْدِ حِينَ يَعْجِزُ عَنْ التَّكَيُّفِ مَعَهُ.
جَاءَتْ لُغَةُ الرِّوَايَةِ سَهْلَةً سَلِسَةً، بَعِيدَةً عَنِ التَّكَلُّفِ، غَيْرَ أَنَّ بَسَاطَتَهَا لَمْ تُفْقِدْهَا جَمَالَهَا الْفَنِّيَّ؛ إِذْ طَعَّمَتْهَا الْكَاتِبَةُ بِالتَّشْبِيهَاتِ وَالِاسْتِعَارَاتِ الَّتِي أَضْفَتْ عَلَى السَّرْدِ بُعْدًا جَمَالِيًّا وَإِيحَائِيًّا. كَمَا أَحْسَنَتْ تَوْظِيفَ تِقْنِيَّةِ الْحَذْفِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ، فَتَرَكَتْ لِلْقَارِئِ مَسَاحَةً لِمَلْءِ الْفَرَاغَاتِ وَتَأْوِيلِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، مِمَّا أَسْهَمَ فِي تَعْمِيقِ التَّفَاعُلِ مَعَ النَّصِّ.
وَأَبْدَعَتِ الباز فِي بِنَاءِ حِوَارَاتِهَا، فَجَاءَتْ طَبِيعِيَّةً نَابِضَةً بِالْحَيَاةِ، كَاشِفَةً عَنْ أَعْمَاقِ الشَّخْصِيَّاتِ، وَمُظْهِرَةً أَفْكَارَهَا وَهَوَاجِسَهَا وَتَحَوُّلَاتِهَا النَّفْسِيَّةَ، بَعِيدًا عَنِ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّقْرِيرِيَّةِ.
وَلَعَلَّ أَكْثَرَ مَا يَلْفِتُ فِي هَذَا الْعَمَلِ قُدْرَةُ الباز عَلَى النُّفُوذِ إِلَى الْعَالَمِ الْوُجْدَانِيِّ لِلرَّجُلِ، وَرَصْدِ التَّحَوُّلَاتِ الَّتِي أَحْدَثَهَا الْحُبُّ فِي دَاخِلِهِ؛ فَقَدْ رَسَمَتْ مَرَاحِلَهُ النَّفْسِيَّةَ بِدِقَّةٍ، مُنْذُ مَا قَبْلَ الْوُقُوعِ فِي الْحُبِّ، حَتَّى اكْتِمَالِ التَّجْرِبَةِ الْعَاطِفِيَّةِ. وَلَمْ تَجْعَلِ الْبَطَلَةَ مِحْوَرَ السَّرْدِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ حُضُورِهَا الطَّاغِي، بَلْ قَدَّمَتْ بَطَلَهَا ــ الَّذِي أَطْلَقَ عَلَى مَحْبُوبَتِهِ لَقَبَ «زَهْرَتِهِ الْمُخَلَّدَةِ» ــ لِيَتَوَلَّى زِمَامَ الْحَكْيِ، وَيَقُودَ مَسَارَ الْأَحْدَاثِ، وَيُوَجِّهَ رُؤْيَةَ الْقَارِئِ، فَتَغْدُو التَّجْرِبَةُ الْعَاطِفِيَّةُ بِأَسْرِهَا مَرْئِيَّةً مِنْ خِلَالِ وَعْيِهِ، بِمَا يَمْنَحُ الرِّوَايَةَ صِدْقًا نَفْسِيًّا وَعُمْقًا إِنْسَانِيًّا لَافِتَيْنِ.