أسرار أقدم ماكينة تحميص قهوة في عمان
عمان - محمود كريشان
نمضي بخطى حالمة نحو وسط العاصمة عمان، وتحديدا الى شارع الإمام الرضا، الذي استعاد نشاطه وحراكه مع تدفق الزوار العرب والضيوف الأجانب، ونقف نتأمل مبنى تراثيا جميلا بمحاذاة البنك الأهلي وكان يضم فيما ضم مكتب شاعر الأردن المحامي مصطفى وهبي التل «عرار» ، حيث نرصد محلا صغيرا بأبواب خشبية.. المكان مكتظ بالبن والزعتر والشاي الأصلي..
مكتب خشبي متهالك، عدة مقاعد جلدية طاعنة في القدم، تلفزيون قديم «أبيض وأسود»، ينطلق منه مع غروب عمان، صوت ماجدة الرومي: « أعود أغنيك عمان إني، لليلك ناي، لشدوك عود.. أعود أغني.. أناجي أصلي.. سلام عليك.. سلامي ورود»..
لكن الملفت للزائر الى متجر الحمصي العريق، وجود ماكينة تحميص تراثية تشتعل النيران في محيطها المعدني وتتحرك برقة ورشاقة دائريا بإناء مملوء بحبات البن الأثيوبي الفاخر الذي يتحمص على نار هادئه جدا، تمهيدا لاستكمال مراحل إعداد القهوة بالطرق التقليدية الشامية الأصيلة، سواء القهوة العربية «السادة» والقهوة التركية «الحلوة»، وحسب طلب الزبون قهوة شقراء «تحميص قليل» أكثر ايضا من القهوة المحروقة، أو من يرغب بشراء حبات البن الأخضر كي يحمصوه على مزاجهم في بيوتهم..
وفي الإطار ذاته.. يسترسل السيد مجدي الحمصي نجل المرحوم الحاج محمود سليم الحمصي مؤسس متجر الحمصي، في سرد قصة ماكينة التحميص الموجودة في متجرهم ويقول ان والده المولود في عمان عام 1914 المنحدر من جذور تمتد الى مدينة حمص الشامية، قام بمنتصف الأربعينيات باستئجار المحل من مالك العمارة أسعد صابر بأجرة سنوية مقدارها 100 دينار، وكانت عمان وقتها بلا كهرباء، مما كان يجعل والده يقوم بتحميص القهوة على الحطب، الى ان قام المرحوم الحاج محمد علي بدير، بشراء أول مولد كهربائي في الأردن من طبيب عظام إيطالي، كانت عيادته في عمارة بدير بأول شارع الرضا، وكان يستخدم المولد للأشعة السينية، وعندما قرر العودة الى بلاده، قام بدير بشراء المولد، وكان ذلك إيذانا بانارة شارع الرضا.
واضاف الحمصي لـ»الدستور» على اثر هذه النقلة النوعية، التي شهدها الشارع قام والدي على الفور باستيراد محمص يعمل على الكهرباء من السويد عبر ميناء طرطوس الساحلي السوري، ومن ثم شحنه مجددا الى الأردن عبر القطار من دمشق الى محطة عمان، وعندما قام والدي بتركيب ماكينة التحميص في متجرنا هذا عام 1968 تم نحر خروفين وتوزيع لحمهما على الفقراء بهذه المناسبة كي يبارك الله لنا به، وكان أهالي المدينة يتدوافدون سنتذاك على متجرنا مذهولين برؤية اول ماكينة لتحميص القهوة في عاصمة الاردن عمان. وبين الحمصي: ان الماكينة تعمل حتى الآن ولله الحمد ويقوم السياح الأجانب بالتقاط الصور التذكارية لها وهي تطوف بما تحمله من بن محاطة بنيران هادئة وتعبق المكان برائحة القهوة اللذيذة، كذلك قام والدي رحمه الله باستيراد مطاحن قهوة من المانيا عام 1968 وهي موجودة لدينا حتى الآن وتعمل بصورة جيدة جدا ولا تزال عملية تحميص القهوة وطحنها تتم عبر هذه الماكينات العريقة..
اذن.. ستبقى عمان هي المحبوبة.. وهي أجمل الأسماء، وهي درة الحاضر، وهي قدوة الشعب، وهي حصن العروبة، وهي زمن الحب الجميل، وهي بلاد الفتح والدرة الهاشمية، وهي موطن الذكريات، وهي غابات الإسمنت، وهي السيف المسلول.. وهي أخيرا الحلم الجميل الذي تحقق بالمشاركة والملامسة.
ــ الدستور