رشاد ابو داود : ليلة.. مُت !
في تلك الليلة سيطر علي شعور أني سأموت. شعور حقيقي لا فكاك منه. قلت لزملائي الذين يسكنون معي في تلك الشقة بحي ركن الدين الدمشقي ما أشعر به. ضحكوا في البداية لكني قلت لهم وقد اصفر وجهي، لا بحكي عنجد. ورحت أوصيهم وأقول لهم ماذا يفعلون عندما يجدوني في الصباح جثة هامدة. كيف يخبرون والدي في الزرقاء وأن يتصلوا بالسفارة لنقل الجثمان الى الأردن وكل الترتيبات.
خجلت أن أطلب من أحدهم أن ينام عندي ليناولني كـأس ماء أو «ينقط في زوري» اذا سمع حشرجة طلوع الروح. نمت بشعور أني لن أصحو. مرت حياتي كشريط سريع بحلوها ومرها وبما فيها من فرح ومرح وحزن وتعب. ودعت الحياة ونمت أو بمعنى أدق مُت!
عندما صحوت صباحاً أخذت أتحسس جسدي، رجلاي وصدري وبطني وقلبي وكلي. ومع كل عضو كنت أريد أن أتأكد أني لم أمت.
مع أنه لكل موت سبب لكن السبب في تلك الليلة كان مختلفا.
كنت في السنة الثانية أدب انجليزي بجامعة دمشق. كان مقرراً علينا الملحمة الشعرية: «الفردوس المفقود» The Paradaise Lost» لجون ملتون الشاعر والمفكر والكاتب السياسي البريطاني المدافع عن حرية الرأي. قرأت الجزء المقرر من الملحمة الطويلة وراجعت ما شرحه لنا الدكتور في المحاضرة. لم تكن قراءة عادية بل معمقة. قرأت باحساسي وشعرت أني أحد شخصياتها. وللأسف الشخصيات التي تموت.
تُعد «الفردوس المفقود» أكثر من مجرد قصيدة دينية؛ فهي عمل فلسفي وسياسي وأدبي، في مرحلة مضطربة من تاريخ إنجلترا، بعد الحروب الأهلية. ولهذا يرى كثير من النقاد أن القصيدة تعكس أسئلة عصرها بقدر ما تعكس الرواية التوراتية لسقوط الإنسان
الفكرة المركزية في الملحمة هي أن الإنسان خُلق حراً، وأن الحرية لا تكون ذات معنى إلا إذا تضمنت إمكانية الخطأ. فآدم وحواء، حسب ملتون، «لا يسقطان لأن الله أراد لهما السقوط، بل لأنهما اختارا ذلك بإرادتهما».
هنا يطرح ملتون سؤالاً ما يزال حياً حتى اليوم: هل يمكن أن توجد حرية حقيقية من دون تحمل نتائج الاختيار؟
أثارت شخصية الشيطان جدلاً نقدياً واسعاً عبر القرون.
فالشيطان في بداية الملحمة يبدو بطلاً متمرداً يرفض الخضوع، ويقول عبارته الشهيرة: «خير لي أن أحكم في الجحيم من أن أُحكم في السماء»
وفي القرآن رفض أن يسجد لآدم واستأذن الله أن يمهله الى يوم القيامة ليغوي مخلوقاته «الا عبادك منهم الصالحين».
لكثرة التفاصيل وعمق تحليله «شطح» ملتون وأصبح مع الشيطان دون أن يدري كما رأى الشاعر وليام بليك. لأن شخصية الشيطان جاءت قوية ومؤثرة فنياً. لكن قراءة أعمق تكشف أن الشيطان ليس بطلاً للحرية، بل أسير كبريائه. فتمرده لا يقود إلى التحرر، بل إلى مزيد من العزلة والكراهية والدمار.
ليلتها هل تلبسني شيطان ملتون؟ لا أدري.
لكني تعلمت أن الخير ينتصر دائما. وأن أتعوذ بالله من شياطين الانس والجن.
وما أكثرهم في زماننا!!