في ورقة عمل قدمها لمؤتمر الابتكار والمحتوى الرقمي في التعليم :
المصري وزير الزراعة الاسبق : إعداد رأس المال البشري لاقتصاد ينمو بلا وظائف كافية
قال المهندس سعيد المصري وزير الزراعة الاسبق :عندما نتحدث عن الابتكار والمحتوى الرقمي، فإننا لا نتحدث عن أجهزة حديثة أو منصات تعليمية أو تطبيقات للذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما نتحدث عن الإنسان الذي نريد أن نعدّه لعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
واضاف خلال تقديمه ورقة عمل الى المؤتمر العربي لابحاث الموهبة والتفوق الذي نظمته المؤسسة الدولية للشباب والتنمية بالتعاون مع الجامعة الاردنية وجامعة عمان الاهلية وبرعاية معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات رئيس الجامعة الاردنية:
أود أن أبدأ بسؤال بسيط:
ما الهدف الحقيقي من التعليم؟
قبل خمسين عاماً كانت الإجابة واضحة: نتعلم، ثم نتخرج، ثم نحصل على وظيفة، ثم نستمر فيها حتى التقاعد.
أما اليوم فلم تعد هذه المعادلة صالحة كما كانت. فنحن لا نعيش أزمة تعليم ولا أزمة بطالة فقط، بل نعيش تحولاً عميقاً في طبيعة الاقتصاد العالمي.
لقد دخل العالم عصر الذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات والحوسبة السحابية، وأصبحت الشركات تنتج أكثر وتحقق إنتاجية أعلى ولكن بعدد أقل من العاملين.
إننا أمام واقع اقتصادي جديد يمكن وصفه باقتصاد «النمو بلا وظائف كافية»، حيث يستمر الاقتصاد في النمو بينما لا تنمو الوظائف التقليدية بالمعدل نفسه.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي:
كيف نعد أبناءنا لعالم قد لا يوفر لهم الوظيفة التقليدية، لكنه يفتح أمامهم آفاقاً واسعة للإبداع وريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي؟
وقال :
إن الابتكار والمحتوى الرقمي ليسا غاية في حد ذاتهما، بل هما وسيلتان، أما الغاية الحقيقية فهي بناء رأس المال البشري.
فالجامعات لا تخرّج شهادات فقط، بل تخرّج إنساناً يحمل مسؤولية بناء وطنه.
واليوم أصبحت المعرفة متاحة للجميع، وأي طالب يستطيع خلال ثوانٍ أن يصل إلى ملايين الكتب والمراجع، بل وأن يستعين بالذكاء الاصطناعي للحصول على الإجابات.
إذا أصبحت المعرفة متاحة للجميع... فما الذي سيبقى ميزة للإنسان؟
سيبقى التفكير النقدي، والإبداع، والحكم الأخلاقي، والقيادة، والعمل الجماعي، والتعلم المستمر.
ولهذا السبب فإن اقتصاد المستقبل لن يقاس بعدد الشهادات، ولن يقوم على الأقدمية، بل على مبدأ عالمي يعرف باسم Meritocracy أو «مجتمع الجدارة»، أي أن تكون الفرص مبنية على الكفاءة والإنجاز والإبداع والقدرة على التطور المستمر.
ومن هنا فإن رسالة الجامعة لم تعد تقتصر على منح الشهادات، بل أصبحت تتمثل في بناء الجدارة.
أما المحتوى الرقمي الذي نحتاجه، فلا يقتصر على تحويل الكتاب الورقي إلى شاشة إلكترونية، بل على بناء بيئة تعليمية تجعل الطالب يسأل أكثر مما يحفظ، ويحلل أكثر مما ينقل، ويبتكر أكثر مما يكرر.
كما أن دور المعلم لم يعد نقل المعلومات، بل توجيه الطالب وتمكينه من التفكير والاستخدام الواعي للتكنولوجيا.
وتابع حديثه قائلا:
لقد انتقل الاقتصاد من الاقتصاد الزراعي إلى الصناعي ثم إلى اقتصاد المعرفة، أما اليوم فإننا ندخل مرحلة جديدة يمكن أن نسميها «الاقتصاد القائم على الجدارة».
ففي اقتصاد المعرفة كانت المعلومة مصدر القيمة، أما اليوم فقد أصبحت المعرفة متاحة للجميع، بينما أصبحت القيمة الحقيقية في القدرة على تحويل المعرفة إلى ابتكار وإنتاجية وحلول عملية.
وأعتقد أن الأردن يمتلك فرصة كبيرة، فثروته الحقيقية هي الإنسان الأردني، ولذلك فإن الاستثمار الأكثر جدوى هو الاستثمار في الإنسان القادر على التعلم والتكيف والابتكار.
وأقترح أربع أولويات وطنية:
أولاً: تطوير محتوى رقمي عربي عالي الجودة يوظف الذكاء الاصطناعي ويحافظ على لغتنا وثقافتنا.
ثانياً: إعادة تصميم المناهج لترسيخ التفكير النقدي والإبداع وريادة الأعمال والعمل مع الذكاء الاصطناعي.
ثالثاً: بناء شراكة مؤسسية مستدامة بين الجامعات والقطاع الخاص.
رابعاً: ترسيخ ثقافة التعلم مدى الحياة.
وقال :
لقد كان القرن الماضي يكافئ من يمتلك رأس المال، ثم جاءت المعرفة، أما المستقبل فسيكافئ من يمتلك الجدارة؛ أي الكفاءة والإبداع والقدرة على التعلم المستمر وتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة.
ولذلك فإن الجامعات في القرن الحادي والعشرين مطالبة بأن تبني الجدارة قبل أن تمنح الشهادات.
فالشهادة قد تفتح الباب...
أما الجدارة فهي التي تضمن الاستمرار، وتصنع القيادة، وتبني المستقبل.
وفي ختام الورقة قال :
في الماضي كنا نُعِد أبناءنا لسوق العمل...
أما اليوم فعلينا أن نُعِدهم لصناعة سوق العمل.
وهذه هي الرسالة الحقيقية للابتكار والمحتوى الرقمي في التعليم.