اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

الذكاء الاصطناعي افــتـراء.. والإبـــداع الأدبــــي والنـقـــدي بــصـمـــات فـــرديـــــة

الذكاء الاصطناعي افــتـراء.. والإبـــداع الأدبــــي والنـقـــدي بــصـمـــات فـــرديـــــة
أخبارنا :  

عمر أبو الهيجاء

يرى الشاعر والناقد الدكتور حكمت النوايسة أن الانفجار التقني لا يعني بالضرورة انفجارًا معرفيًا، وأن التطور الإلكتروني لن يقدّم مناهج نقدية جديدة، ولن يتجاوز تلك الطاقة الروحية التي منحها الله تعالى للإنسان. ويؤكد أنه لم يلحظ تحولات جوهرية في الأجناس الأدبية، بل إن كثيرًا من الروايات الفائزة بالجوائز الكبرى أقل قيمة فنية من الروايات المؤسسة في السرد العربي.

وضمن هذا الملف الذي تواصل «الدستور» من خلاله استقصاء التحولات التي فرضها العصر الرقمي وثورة الذكاء الاصطناعي على الأدب والنقد، حاورت الصحيفة الدكتور حكمت النوايسة حول مستقبل النقد الأدبي، والإبداع في ظل التطور العلمي المتسارع، وتأثير الذكاء الاصطناعي في الثقافة، فكان هذا الحوار.

* ثمة تحولات جذرية أحدثها العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي في الأجناس الأدبية والنقدية. ما جدوى هذه التحولات؟ وما أثرها في الأدب والنقد؟

- لم أرَ، فيما أرى، أي تحولات على الأجناس الأدبية سوى سرعة الكتابة، والتخلص من رتابة انتقال النص من الكتابة اليدوية إلى الطباعة، ثم إلى المطبعة، فالتدقيق، ثم إعادة الطباعة. لقد اختصر الحاسوب وبرامج النشر كثيرًا من المراحل التي كان يمر بها الكتاب حتى يصل إلى يد القارئ، بل تجاوز الأمر المطبعة ودار النشر في كثير من الأحيان، حتى أصبحت دور النشر معنية غالبًا بالطبعة الأولى، بينما تتولى المنصات الرقمية نشر النسخ الإلكترونية المجانية، باستثناء بعض الدور التي ما تزال قادرة على حماية حقوق النشر، وإن كان الالتفاف عليها قائمًا أيضًا.

الجدوى الوحيدة التي أراها هي السرعة، أما التحولات الجذرية فلا أراها مطلقًا. ولا أريد أن أستبق الأسئلة لأقول إن الأدب نفسه يعيش حالة تراجع؛ فالروايات التي تفوز بأكبر الجوائز أقل قيمة فنية من الروايات المؤسسة في الرواية العربية، ولا أعني الروايات الكلاسيكية، وإنما تلك التي أسست لذاتها مثل: «اللجنة»، و»المتشائل»، و»شرق المتوسط».

وفي الشعر أيضًا، نتحدث عن تجارب مؤسسة مثل شعر نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعرار، وراشد حسين، وأمل دنقل، ومحمود درويش، وقبلهم أحمد شوقي، وجميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي، ومحمد مهدي الجواهري، الذين نفضوا عن القصيدة غبارها. أما اليوم، فإن الناقد العاقل هو الذي يقول: لا أدري.

* هل أدى الانفجار المعرفي والتحول الرقمي إلى اقتراب الأدب والنقد من الذكاء الاصطناعي، أو إلى تحقيق نوع من التوازن معه؟

- الذكاء الاصطناعي افتراء، والإبداع الأدبي والنقدي بصمات فردية. هناك من يبتكر في الفنون الأدبية، وهناك من يجترّ. ويمكن للخوارزميات أن تنتج قصيدة باردة، أو قصة باردة، أو حتى رواية باردة، لكنها لا تستطيع أن تنتج تلك البصمة الروحية التي تميز الإبداع في الشعر، والقصة، والرواية، والنقد، والرسم، والمسرح.

أما ما يسمى بالانفجار المعرفي فأنا لا أراه كذلك، وإنما أراه سهولة في الوصول إلى المعرفة. فالكاتب أو القارئ يستطيع اليوم أن يتجول في مكتبات العالم وهو جالس في منزله، حتى لو لم يمتلك سوى جهاز حاسوب وملف مفتوح يدون فيه ما يحتاج إليه.

أستطيع أن أكتب بحثًا أكاديميًا متكاملًا وفق أصول البحث العلمي دون أن أغادر منزلي، وربما دون أن أعرف مواقع المكتبات في عمّان، لأن الحاسوب المتصل بالشبكة العالمية يوفر لي ما أحتاج إليه. ولدي شخصيًا أكثر من خمسة آلاف كتاب على حاسوبي جمعتها عبر سنوات.

إذن، هناك انفجار تقني، وليس انفجارًا معرفيًا. إنه انفجار في سرعة الوصول إلى المعرفة، أما المعرفة نفسها فهي تراكم إنساني طويل، وما أضافته التكنولوجيا إليها ما يزال محدودًا مقارنة بما أنتجته الحضارة الإنسانية عبر العصور.

* يقول بعض الباحثين إن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح يطرح أسئلة ثقافية ومعرفية تتصل بالإبداع والنقد. ما رأيك؟

- الذكاء الاصطناعي يقدم معرفة جاهزة لمن يبحث عن المعرفة السطحية، لكنه يشكل مفتاحًا للوصول إلى المعرفة العميقة لمن يريد التوسع في موضوع ما، من خلال إحالته إلى المراجع والمصادر، أكثر من كونه منتجًا حقيقيًا للمعرفة.

* في ظل الانفجار الإلكتروني والتقني، ما منهجية النقد العربي في مواجهة هذه التحولات؟ وهل يمكن أن تظهر نظرية نقدية جديدة؟

- سبق أن تحدثت عن الفرق بين الانفجار التقني والانفجار المعرفي. وهذا التطور لن يقدّم مناهج نقدية جديدة، ولن يتجاوز تلك الطاقة الروحية التي منحها الله تعالى للإنسان.

النظريات الجديدة في النقد وغيره يصنعها العقل الإنساني، لا الخوارزميات. فالإنسان هو الذي يصنع هذه الخوارزميات، لكنه لا يستطيع أن ينفخ فيها الروح.

خذ مثلًا الروبوت؛ فهو لا يتحرك ذاتيًا، وإنما يحتاج إلى عقل يوجهه. وكذلك السيارات ذاتية القيادة، فهي بلا روح، تعتمد على أنظمة تحدد السرعة والحركة والتوقف، لكنها لا تستطيع التعامل مع جميع المواقف الطارئة كما يفعل الإنسان.

وفي النقد الأدبي توجد مواقف لا يستطيع الذكاء الاصطناعي إدراكها؛ فقد ترد كلمة في القصيدة خارج سياقها المألوف فتفتح بابًا جديدًا للتأويل، أو يظهر سطران في الصفحة (140) من رواية تقع في ثلاثمئة صفحة، فيكتشف الناقد أنهما يمثلان البؤرة المركزية للرواية كلها، فيعيد قراءتها من جديد. كما أن تراكم التعاطف أو اللاتعاطف مع النص، وما يبقى منه في ذهن الناقد بعد الانتهاء من القراءة، أمور لا تستطيع الخوارزميات تمثلها.

* ما أبرز المعيقات التي تواجه النقد الأدبي اليوم؟ وهل يمكن أن توجد مساحة مشتركة بين النقد الإنساني والذكاء الاصطناعي في تحليل النصوص؟

- تنحصر أبرز معيقات النقد اليوم في كثرة النتاج الأدبي؛ فكل يوم تصدر رواية، وربما أكثر، في الوطن العربي. وأظن أن النقاد يعيشون حالة من التخبط، ولم يعودوا قادرين على فرز اتجاهات نقدية واضحة.

وعندما أتحدث عن النقاد، فأنا أعني أولئك الذين يحسنون القراءة ويجترحون بصماتهم الخاصة، أما الذين يكثرون من الاستشهاد بعبارات: قال فلان، وقال فلان، دون أن يقولوا شيئًا من عندهم، فهؤلاء لست معنيًا بهم. وهم في الغالب من مخرجات الجامعات، ممن حصلوا على درجة الدكتوراه في أعمال هذا الكاتب أو ذاك، لكنهم لا يضيفون جديدًا.

أما الذكاء الاصطناعي، فكما قلت، فإن أقصى ما يمكن أن يقدمه هو معرفة سطحية منقولة عن كتب موجودة أصلًا في المكتبة الإلكترونية العالمية، لكنه لن يمنح النص روحًا، ولن ينتج إبداعًا. إنه مفاتيح للمعرفة، وليس المعرفة ذاتها.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك