رمزي الغزوي : التوليفة الصينية
في الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني والتي احتُفل بها يوم أمس، سيبقى السؤال نافرا وحادا وواخزا: كيف جمع الصينيون بين سلطة حزب متشدّد آيدولوجي، ونجاح رأسمالي مذهل عابر للحدود جعلهم يحتلون المركز الثاني عالميا في القوة الاقتصادية؟ أو بصيغة أخرى: كيف لأكبر حزب شيوعي في العالم أن يبرز في ظلّ أكثر الرأسماليات نمواً، على عكس ما هي الحال في أنحاء كثيرة من عالم نخره الكساد والتراخي والقهقرة؟
بالطبع لا أحد يمتلك جواباً وحيداً شافيا على وجه الدقة واليقين، إنما ثمة مقاربات ستقول إن مفتاح تلك الأحجية السياسية التاريخية هو فهم التوليفة أو الطبخة السحرية التي جمعت الشيوعية بنقيضتها الرأسمالية، وقدمتها بنكهة مزاجها الحكيمة أو الشخصية الصينية. أو هي الخلطة التي آخت أو زاوجت بين تشدّد وشيوعية مؤسّس الحزب، ورئيس جمهورية الصين الشعبية الأول «ماو تسي تونغ»، وليبرالية وانفتاح الرئيس، الذي خلفه «دينغ كسياو بنغ»، وطموحات وآفاق الرئيس الحالي «شي جين بينغ» الذي أسس لنفسه مكانة غير مسبوقة في وجدان الحزب والجمهورية.
كما هو معروف، فإن الحزب نشأ في خضم مصاعب ونكسات لا يغفلها التاريخ، إذ انطلق بواقع 50 عضوا ليصل اليوم إلى ثاني أكبر حزب عالمي - بعد حزب بهاراتيا جاناتا الهندي- يضمّ أزيد من 100 مليون عضو. وهو على رأس السلطة المطلقة منذ أكتوبر عام 1949، واستطاع أن يجعل بلاده الفقيرة ترنو إلى الصدارة عالميا في السلم الاقتصادي.
قد يكون أن تلك الخلطة العجائبية تشبه معادلة كيميائية موزونة لفكرة أن الاشتراكية لا تُعني بالضرورة الفقر والعوز والحرمان، كما شهدنا في بقاع كثيرة من عالمنا. بل لربما تعني أن الحزب تمتع وخصوصاً في العقود الخمس الماضية بقدرات فريدة في الاستجابة والتغيير، وإنّه واكب تطوّرات العصر، وفهم وهضم تلوناتها واستشرافاتها، دون أن يغفل عن ضخ دماء جديدة تثري فكره وآيديولوجيته السياسية.
البعض يرى أن الحزب ألغى ما سواه من الأحزاب، وطمس كل ما سوى أفكار تعارض أفكاره، وترك أكثر من 1.4 مليار صيني يعيشون حكما مركزيا صارما. بالطبع تحق لهم تلك الرؤية شرط ألا يتناسوا أن مقابل ذلك كيف تحرّر مئات الملايين من الصينيين من العوَز إلى الطبقة الوسطى، وأن بعضهم قفز فعلاً إلى الغنى والثروات الخيالية.