اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

لما جمال العبسة : القدس تكريس الأمر الواقع في زمن الانشغال

لما جمال العبسة : القدس تكريس الأمر الواقع في زمن الانشغال
أخبارنا :  

هذه الاوقات تتشابك الحروب الكبرى في العالم، واليوم تتصدر اتفاقية وقف اطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران الواجهة، وفي خضم هذا يطلّ الاحتلال الصهيوني بخطوة تحمل دلالات تتجاوز كل المنطق، حيث اعلن امس ان حكومته اليمينية المتطرفة وافقت على بيع أرض فلسطينية مصادرة من اصحابها منذ العام 1950 لإقامة المقر الدائم للسفارة الأمريكية ، واقل ما يُقال انها خطوة جديدة تحمل دلالات خطيرة فهي ليست مجرد إجراء إداري أو بروتوكولي، بل هي إعلان سياسي صريح بأن الاحتلال يستغل انشغال القوى الكبرى في صراعات إقليمية ليكرّس واقعاً جديداً في القدس، متحدياً الحق الفلسطيني الذي يُدفع إلى الهامش في معادلات القوى الكبرى، ومتجاهلاً الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران شكلت غطاءً مثالياً للاحتلال، إذ انشغل الإعلام والقرار الدولي بمتابعة تداعيات المواجهة الكبرى، بينما كانت إسرائيل تتحرك في مساحات أخرى، وتوسع ما باتت تعتاد الحديث عنه «المناطق الآمنة» على حدود فلسطين المحتلة، من الجنوب اللبناني، الى سوريا، والضفة الغربية وغزة حيث تُفتح الأبواب أمام سياسة «التصرف المطلق» وكأنها أراضٍ بلا أصحاب، والأن توقع حكومة الكيان الصهيوني عقد إيجار الأرض للسفارة الأمريكية مقابل دولار واحد ولمدة 99 عاماً، ومع هذا الامر تُختزل فلسفة الاحتلال في تحويل المصادرة إلى شرعية، وتحويل الغياب القسري للفلسطينيين إلى حضور أمريكي دائم في قلب القدس.

هذا التوازي بين الحرب على إيران وبين العبث في فلسطين ليس جديداً؛ فالتاريخ يروي كيف استغلت دولة الكيان الغاصب أزمات دولية كبرى لتفرض وقائع على الأرض، من حرب الخليج إلى أحداث 11 ايلول، واليوم يتكرر المشهد لكن بدعم مطلق من واشنطن التي تُثبّت سفارتها في القدس، والاحتلال يمدّ يده أكثر في الضفة وغزة، بينما يواصل قضم الجنوب اللبناني في ظل صمت دولي وإسلامي وعربي مشغول بملفات أخرى لكن غير مقصر بالتنديد والاستنكار.

الأخطر أن هذه الخطوة تأتي في ظل تجاهل عالمي صارخ للحق الفلسطيني في أرضه، وكأن المجتمع الدولي يسلّم بأن الاحتلال الصهيوني هو الواقع الوحيد الممكن، هذا التجاهل لا يقتصر على الصمت، بل يمتد إلى تواطؤ عملي عبر تثبيت رموز سيادية أمريكية في مدينة تحت الاحتلال، في وقتٍ تُعلن فيه الوصاية الهاشمية عن دورها التاريخي في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، لكن دون أن تجد الدعم الدولي الكافي لمواجهة محاولات الإلغاء والتهميش، وفي الوقت ذاته، تُرسل رسالة إلى الفلسطينيين والعرب مفادها أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الوعي والشرعية، وأن كل لحظة انشغال إقليمي أو دولي تُستغل لتكريس واقع جديد.

بيع أرض فلسطينية لإقامة السفارة الأمريكية في القدس ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة استراتيجية تستغل الانشغال بالحروب الكبرى لتثبيت الاحتلال وتوسيع نفوذه، من إيران إلى لبنان، ومن الضفة إلى غزة، يواصل العدو الصهيوني مشروعه في ظل غياب الردع الدولي وتجاهل العالم للحق الفلسطيني، وتحدٍ مباشر للوصاية الهاشمية على المقدسات،هنا تكمن خطورة المرحلة في أن تتحول فلسطين إلى ساحة مفتوحة أمام الاحتلال، بينما تُدار الحروب الكبرى كغطاء سياسي لإعادة رسم الخرائط.

القدس اليوم عنوان لمعركة الوعي والسيادة، ومعيار لمدى قدرة الأمة على مواجهة سياسة فرض الأمر الواقع، وصون الوصاية الهاشمية والحق الفلسطيني في زحام الصراعات، فماذا يمكن ان يفعله العالمان العربي والإسلامي ازاء هذا التهجم الصارخ وماذا ستفعل الشرعية الدولية؟!


مواضيع قد تهمك