المحامي معن عبد اللطيف العواملة : المسار التنازلي للمشروع الإسرائيلي
منذ السابع من اكتوبر و مرورا بالمواجهات العسكرية الاخيرة و تداعياتها، تعيش المنطقة تحولا جذريا يتم داخل المشروع الصهيوني. فبغض النظر عن البروباغاندا الاسرائيلية من ترويج لاسرائيل الكبرى و غيرها من الافكار العدائية، تكشف الاشارات الواقعية، من غير عواطف او امنيات، عن تصدعات عميقة تؤكد بوضوح أن إسرائيل دخلت مرحلة الأفول البنيوي، وأن كل الرهانات على استدامتها هي خاسرة.
لطالما كان العامل الديمغرافي هو العمود الفقري للمشروع الصهيوني، لكن المعطيات الحالية تشير إلى تحول تاريخي عماده الهجرة العكسية المستمرة. تشير بيانات الهجرة الاسرائيلية إلى استمرار تسجيل صافي هجرة سلبي، حيث غادر إسرائيل أكثر من 69,000 شخص في عام 2025 وحده، وهي السنة الثانية على التوالي التي يتجاوز فيها عدد المغادرين عدد القادمين. و قد رصدت بعض الدراسات مثل دراسة جامعة تل أبيب في 2026 مغادرة آلاف الأطباء والعلماء والمهندسين وحاملي شهادات الدكتوراه، حيث شكل حملة الشهادات الجامعية نحو 60 % من المهاجرين، مما يمثل تهديداً وجودياً لقطاع التكنولوجيا المتقدمة شريان الاقتصاد الإسرائيلي.
وفي المجال المالي، تشير تقديرات وكالات التصنيف الدولية والمؤسسات الاقتصادية لعام 2026 إلى أن العجز المالي الاسرائيلي العام سيظل مرتفعاً ليتراوح بين 5.3 % و6 % من الناتج المحلي الإجمالي. فقد قفزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى نحو 70% مقارنة بنحو 60% قبل عام 2023. و التهمت ميزانية الدفاع والأمن أكثر من 7% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026، مما يضغط بقوة على الخدمات المدنية والبنية التحتية، وسط خفض متكرر للتصنيفات الائتمانية السيادية من قبل وكالات موديز و فيتش.
اما سياسياً ومجتمعياً، فان إسرائيل تعيش أزمة هوية حادة وغير مسبوقة. فقد تزايدت الفجوة بين التيارات العلمانية والقوى المتدينة بشأن عبء الخدمة العسكرية و الاحتياط، ودفع الضرائب، مما يؤهل النسيج الاجتماعي للانفجار عند أي منعطف سياسي. اضافة الى ذلك، ومع صدور مذكرات توقيف دولية وإجراءات محكمة العدل الدولية، تحولت تل أبيب في المنظومة الأخلاقية والقانونية العالمية إلى كيان منبوذ يُتهم بارتكاب الفظائع، وفشلت الحيل التقليدية في ترميم هذه الصورة. ونشهد الان كلاما واضحا بخصوص عنصرية اسرائيل في الاعلام الغربي كان يعد منذ اقل من خمس سنوات ضربا من الخيال.
من المهم ان نذكر انفسنا بشكل مستمر إن الغطرسة العسكرية الإسرائيلية لم تمنح الفرد الإسرائيلي الأمن اليومي. فرغم الدعم العسكري والمادي اللامتناهي من القوى العظمى، ما زال يعيش في ثكنة عسكرية كبرى. في المقابل، فإن الأنظمة التي صاغت استراتيجياتها بمسلمة ان اسرائيل دولة مستقرة ومستدامة تعيد اليوم حساباتها. اسرائيل هي قوة متآكلة تفقد تفوقها العسكري والتكنولوجي والديمغرافي باستنزاف مستمر.
المستقبل ينبئ بمعادلة جديدة. الضحية أثبتت صمودها وعدالة قضيتها و مركزيتها، والجلاد يتآكل بفعل تناقضاته الداخلية وفشله في فرض الاستسلام. لقد انتصرت الإرادة الفلسطينية عندما عجزت الآلة العسكرية عن انتزاع الركوع، لتثبت الأيام أن فلسطين وما حولها ليست مجرد أرض، بل هي حتمية تاريخية ستتجاوز عابرين ظنوا يوماً أن قوتهم تدوم.
ــ الدستور