اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. محمد حيدر محيلان : لماذا جمعت الكرة الأردنيين بهذا القدر؟ .

د. محمد حيدر محيلان : لماذا جمعت الكرة الأردنيين بهذا القدر؟ .
أخبارنا :  

قد يظن البعض أن السر يكمن في كرة القدم، لكن الحقيقة أن الكرة لم تصنع هذه الوحدة، بل كشفت عنها. لقد أظهرت ما كان كامناً في نفوس الأردنيين من محبة وانتماء واستعداد للالتفاف حول هدف وطني جامع.

الأردني بطبيعته طيب القلب، بسيط التكوين، صادق المشاعر، لا يبحث عن الخلاف لذاته، ولا يجد راحته في الانقسام. قد يختلف مع أخيه في رأي سياسي، أو رؤية اقتصادية، أو أسلوب إدارة، أو اجتهاد فكري، لكن هذه الاختلافات سرعان ما تتراجع عندما يبرز هدف وطني واضح يجمع الجميع تحت راية واحدة.

ولهذا وجد الأردنيون في منتخبهم الوطني مساحة نقية لا مكان فيها للتصنيف أو الانقسام. لم يسأل أحد عن أصل لاعب أو منبته، ولا عن توجه مشجع أو منطقته، بل كان الجميع يرى في القميص الأردني هوية واحدة، وفي العلم الأردني راية واحدة، وفي النشيد الوطني صوتاً واحداً. وهنا تكمن عظمة الرياضة عندما تتحول من منافسة إلى وعاء للهوية الوطنية.

لقد كشفت هذه البطولة معدن الأردنيين الحقيقي؛ نقاء النفوس، وصفاء الفكر، وعفوية الفرح، وحب النجاح للآخر، والقدرة على الاحتفال دون إساءة، وعلى المنافسة دون تعصب، وعلى تمثيل الوطن بأخلاق قبل الهتافات. ولهذا لم يتحدث العالم عن نتائج المباريات فحسب، بل تحدث أيضاً عن الجمهور الذي نظف المدرجات، واحترم المكان، وقدم نموذجاً حضارياً يليق بالأردن.

ولعل السؤال الأهم هو: لماذا كان هذا الالتفاف الشعبي بهذه القوة؟

لأن الإنسان يحتاج دائماً إلى قضية جامعة يشعر من خلالها بأنه جزء من قصة أكبر منه. وعندما يكون الهدف وطنياً خالصاً، بعيداً عن المصالح الضيقة والخلافات اليومية، فإن المشاعر الإنسانية النبيلة تجد طريقها إلى الظهور. لقد وجد الأردنيون في المنتخب رمزاً يمثلهم جميعاً، فالتفوا حوله بمحبة صادقة، وأثبتوا أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما قد يختلفون حوله.

ومن هنا تأتي الرسالة الأهم. فإذا كانت مباراة كرة قدم قد استطاعت أن تجمع ملايين الأردنيين على قلب رجل واحد، فإن بناء الوطن، والنهضة، والتعليم، والإبداع، والعمل التطوعي، والاقتصاد، والإنجاز الوطني، أولى بأن تكون مشاريع جامعة تستثمر هذه الروح نفسها. فما ظهر في المدرجات ليس مجرد حماس رياضي، بل طاقة وطنية هائلة تؤكد أن المجتمع الأردني يمتلك رصيداً كبيراً من التماسك متى وجد الهدف الواضح والقيادة الملهمة والمشروع الذي يشعر الجميع أنهم شركاء فيه.

لقد أثبت النشامى أن الفوز لا يكون دائماً في لوحة النتائج، بل قد يكون في جمع القلوب، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتقديم الأردن للعالم بصورة مشرقة. أما الجماهير الأردنية فقد أثبتت أن أجمل ما في الأردن ليس آثاره وتاريخه فحسب، بل الإنسان الأردني نفسه؛ بأخلاقه، وكرمه، وشهامته، ومحبته لوطنه، وقدرته على أن يحول حدثاً رياضياً إلى درس في الانتماء والوحدة واللحمة الوطنية.


مواضيع قد تهمك