نور الدويري : مهلة الـ 60 يوماً.. حين يصبح التاريخ فخاً في مضيق هرمز
في السياسة الدولية، لا تكون المهل الزمنية مجرد تفاصيل إجرائية، بل تحمل أحياناً دلالات تتجاوز التقويم إلى الذاكرة السياسية. ومن هذا المنطلق، تستدعي مهلة «الستين يوماً» في التعامل الأمريكي مع إيران مقارنات تاريخية تعود إلى أزمة الرهائن عام 1979، عندما منح الرئيس الأمريكي جيمي كارتر طهران مهلة للإفراج عن الدبلوماسيين الأمريكيين. انتهت الأزمة بفشل عملية الإنقاذ، وأصبحت أحد العوامل التي أضعفت رئاسة كارتر ورسخت درساً سياسياً ما زال حاضراً في الوعي الأمريكي.
اليوم، ومع عودة لغة المهل والضغوط، لا يبدو المشهد نسخة من الماضي، لكنه يذكر بأن إدارة الأزمات مع إيران كثيراً ما تتجاوز الحسابات العسكرية لتتحول إلى اختبارات سياسية واستراتيجية للرئيس الأمريكي نفسه. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه كثيراً ما يعيد طرح الأسئلة ذاتها في ظروف مختلفة.
غير أن الاختلاف الجوهري اليوم يكمن في الجغرافيا. فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر لنحو خُمس تجارة النفط العالمية، بل أصبح جزءاً من بنية تحتية رقمية واقتصادية أكثر تعقيداً. فإلى جانب حركة الطاقة، تمر عبر المنطقة كابلات بحرية حيوية تربط دول الخليج وجنوب آسيا بالشبكات العالمية، ما يجعل أي تصعيد محتمل يهدد تدفقات البيانات والاتصالات، وليس أسواق النفط فحسب.
لذلك، لم تعد أهمية المضيق تُقاس بعدد ناقلات النفط وحدها، بل أيضاً بحجم الاعتماد العالمي على البنية الرقمية التي تمر عبر محيطه. وفي عالم يعتمد على الحوسبة السحابية، والأسواق المالية الفورية، وسلاسل الإمداد الرقمية، قد يؤدي اضطراب محدود في هذه البنية إلى آثار تتجاوز حدود الإقليم.
من هنا، فإن أي مواجهة مرتبطة بالمهل السياسية أو الضغوط المتبادلة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أزمة طاقة فقط، بل باعتبارها اختباراً لقدرة النظام الدولي على حماية شرايين الاقتصاد الرقمي أيضاً. فالتنافس لم يعد يدور حول السيطرة على الموارد التقليدية وحدها، وإنما حول أمن تدفق المعلومات بالتوازي مع أمن تدفق الطاقة.
التاريخ لا يفرض تكرار نتائجه، لكنه يحذر من تجاهل دروسه. أما مضيق هرمز، فلم يعد مجرد ممر استراتيجي للنفط، بل عقدة تجمع بين الطاقة والبيانات والاقتصاد العالمي. ولذلك، فإن إدارة أي أزمة فيه تتطلب قراءة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، لأن كلفة التصعيد في القرن الحادي والعشرين قد تُقاس بسرعة انقطاع البيانات بقدر ما تُقاس بارتفاع أسعار النفط.
فكيف ستتعامل واشنطن مع هذه المهلة وكيف ستقرأها إيران وكيف سيتعامل معها العالم؟