المحامي معن عبد اللطيف العواملة : الاستراتيجية العربية في عالم ما بعد الاتفاق
تلقي التفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، و احتمال اتفاقهما، بظلال كثيفة على البيئة الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، واضعةً النظام الإقليمي العربي أمام استحقاق تاريخي يفرض إعادة النظر في مسلمات استراتيجية استقرت لعقود. إن أي تقارب بين واشنطن وطهران، سواء كان اتفاقاً شاملاً أو تفاهمات مرحلية مؤقتة، لا يمثل مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل هو إعادة هندسة لخرائط النفوذ وتوازنات القوى.
تاريخياً، ركنت أجزاء واسعة من المنظومة العربية إلى المظلة الأمنية الأمريكية كضامن رئيسي للاستقرار في مواجهة الطموحات الإقليمية الإيرانية. ومع تبلور الاتفاق، يتأكد للمراقب العربي أن الاستراتيجية الأمريكية باتت محكومة بأولويات دولية أخرى و ترغب في تهدئة ملفات الشرق الأوسط الساخنة بأقل التكاليف، حتى وإن جاء ذلك على حساب هواجس حلفائها التقليديين. و لذلك يجب ان ينظر إلى هذا الاتفاق بعين الحذر، فرفع العقوبات أو تجميد بعضها، وتدفق السيولة المالية لطهران، قد لا يترجم بالضرورة إلى سلوك إيراني مهادن في المنطقة.
أمام هذا الواقع الجديد، لم يعد خيار الترقب مجدياً. إن بناء استراتيجية عربية فاعلة يتطلب الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة، والاعتماد على مسارات متوازية على رأسها تنويع الشراكات الدولية حيث لم تعد العلاقة مع قطب واحد تضمن المصالح الحيوية للدول. الاستراتيجية البديلة بدأت تتشكل بالفعل عبر تعميق العلاقات مع قوى دولية صاعدة ومؤثرة مثل الصين وروسيا والهند. هذا التوازن لا يعني قطيعة مع واشنطن، بل يعني تحويل العلاقة معها إلى شراكة ندية قائمة على المصالح المتبادلة، واستثمار حاجة اقتصادات بعينها لأمن الطاقة في الخليج لتكون شريكاً وضامناً سياسياً في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية. المسار االعربي الثاني يشمل حوارا مباشر مع طهران يضع خطوطاً حمراء واضحة تتعلق باحترام سيادة الدول العربية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ويضمن أمن الملاحة البحرية والممرات المائية الدولية.
و حتى تتحق الاولويات العربية، لا بد من تصفير الخلافات العربية-العربية. فلم يعد من المقبول بعد هذه التحولات أن تظل الجبهة العربية مخترقة من الداخل، أو أن تُستنزف الطاقات في معارك جانبية، بينما تعيد القوى الإقليمية والدولية اقتسام نفوذ المنطقة. إن الانتقال إلى حالة التصفير الشامل للخلافات يتطلب مقاربة عملية تتجاوز العواطف والبيانات التقليدية، وترتكز على خطوات بنيوية ملموسة تبدأ بالانتقال من العمل المشترك القائم على المواقف السياسية المؤقتة إلى العمل المؤسسي. إن تصفير الخلافات يتطلب بناء شبكة من المصالح الاقتصادية البينية واللوجستية التي تجعل من أي خلاف سياسي تكلفة باهظة على جميع الأطراف، بحيث يصبح الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تتجزأ على شاكلة الاتحاد الاوروبي.
لطالما تسببت الصراعات المشتعلة في بعض الساحات كاليمن، وسوريا، وليبيا، و السودان في تسميم العلاقات بين العواصم العربية نتيجة تباين الرؤى. الاستراتيجية المطلوبة اليوم تقتضي عزل هذه الملفات وتحويلها من ساحات للتنافس والنفوذ الهدّام إلى مشروعات مشتركة للاستقرار، عبر رعاية عربية جماعية للحلول السياسية وإعادة الإعمار، مما يغلق الثغرات التي تتسلل منها القوى الخارجية. اما فلسطين، فهي محط اجماع و يمكن للبوصلة العربية ان تعدل وجهتها من خلالها.
الاتفاق الإيراني الأمريكي الكامل و المرتقب يجب أن يُقرأ عربياً كفرصة تاريخية للتخلص من اعباء المظلات الأمنية الخارجية، وصياغة مشروع عربي كامل الدسم يقود المنطقة نحو توازن قوى جديد، تكون فيه الكلمة الفصل لأصحاب الأرض.