فراس النعسان : مهرجان جرش أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دوره
منذ أكثر من أربعة عقود، نجح مهرجان جرش في ترسيخ اسمه كأحد أبرز المهرجانات الثقافية والفنية في المنطقة، وأصبح جزءاً من ذاكرة الأردنيين والعرب، لكنه ما يزال يعمل بعقلية «الموسم» الذي يبدأ وينتهي خلال أسابيع قليلة من كل عام، قبل أن تدخل فعالياته في سبات طويل حتى الصيف التالي.
السؤال الذي يستحق النقاش اليوم هو: لماذا لا يتحول مهرجان جرش إلى مؤسسة وطنية متخصصة في صناعة المهرجانات والترفيه، تدير الفعاليات الثقافية والفنية والترفيهية على مدار العام، بدلاً من الاكتفاء بتنظيم حدث موسمي داخل مدينة أثرية؟
العالم تغير، وصناعة الترفيه لم تعد مجرد حفلات غنائية أو أمسيات شعرية، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً يخلق فرص العمل، ويجذب السياحة، ويحرك الفنادق والمطاعم وشركات النقل والتسويق والإنتاج الإعلامي، ويقدم صورة حديثة عن الدول أمام العالم.
السعودية تقدم نموذجاً واضحاً من خلال الهيئة العامة للترفيه، التي استطاعت خلال سنوات قليلة تحويل الفعاليات إلى صناعة متكاملة تستقطب ملايين الزوار، فيما نجحت الإمارات في بناء أجندة سنوية من المهرجانات والفعاليات الكبرى التي جعلت دبي وأبوظبي وجهتين دائمتين للزوار وليس في موسم واحد فقط. أما سنغافورة، فقد بنت جزءاً مهماً من جاذبيتها السياحية على روزنامة مستمرة من الفعاليات الثقافية والفنية والرياضية على مدار العام.
الأردن يمتلك كل المقومات التي تؤهله لخوض هذه التجربة. فلدينا إرث تاريخي وثقافي كبير، ومدن سياحية متنوعة، ومواقع أثرية، وفنانون ومبدعون، إضافة إلى بنية تحتية سياحية جيدة مقارنة بحجم السوق المحلي. لكن ما ينقصنا هو وجود جهة متخصصة تمتلك رؤية طويلة المدى، وتعمل بعقلية صناعة الحدث وليس تنظيم المناسبة.
إن إنشاء «هيئة المهرجانات والترفيه الأردنية» أو «مؤسسة المهرجانات والترفيه» يمكن أن يشكل نقلة نوعية في هذا القطاع. تتولى هذه المؤسسة تنظيم مهرجان جرش، لكنها في الوقت نفسه تدير مهرجانات في العقبة والبحر الميت والبترا وعجلون وأم قيس ووادي رم وغيرها، وتبتكر فعاليات جديدة في الشتاء والصيف والربيع والخريف، بحيث يصبح الأردن حاضراً على خريطة الفعاليات الإقليمية طوال العام.
هذا الطرح لا يتعارض مع دور وزارة الثقافة أو هيئة تنشيط السياحة أو البلديات أو المحافظات، بل يكمل عملها، تماماً كما توجد في دول عديدة هيئات متخصصة تتولى إدارة قطاع الفعاليات بالتنسيق مع بقية المؤسسات الحكومية.
الفكرة أيضاً لا تتعلق بالترفيه فقط، بل بالتسويق للأردن. فكل مهرجان ناجح هو حملة ترويجية مجانية للبلد، وكل زائر يحضر فعالية ثقافية أو فنية يعود بصورة مختلفة عن الأردن وينقلها إلى محيطه، وهو ما تحتاجه المملكة في ظل المنافسة الإقليمية المتزايدة على استقطاب السياح والاستثمارات.
لقد أثبت مهرجان جرش أنه قادر على الاستمرار، لكن المرحلة المقبلة تتطلب التفكير بما هو أبعد من دورة سنوية تتكرر كل صيف. المطلوب هو الانتقال من إدارة مهرجان إلى إدارة صناعة، ومن تنظيم حدث إلى بناء مؤسسة وطنية تمتلك رؤية اقتصادية وثقافية وسياحية متكاملة.
وربما تكون هذه هي الخطوة التي يحتاجها الأردن اليوم، ليس فقط للحفاظ على إرث مهرجان جرش، بل لتحويله إلى منصة وطنية تقود قطاع الفعاليات والترفيه وتمنحه دوراً أكبر في الاقتصاد والسياحة وصورة المملكة في الخارج.
ــ الدستور