أ. د. عادل الهاشم : مقترح وطني: كبديل لمفهوم القائمة السوداء
لقد حان الوقت للتفكير بجدية في إنشاء "سجل وطني للأداء والمساءلة الإدارية" يكون بديلاً مؤسسياً وقانونياً لمفهوم "القائمة السوداء" في التعامل مع بعض حالات الفشل الإداري اومنع تكرارها فالمسألة لم تعد تتعلق بتصنيف الأشخاص أو الجهات بقدر ما تتعلق بحماية المؤسسات من تكرار الأخطاء ذاتها وبناء ذاكرة مؤسسية توثق ما يحدث فعلاً وما الذي نجح وما الذي تعثر ولماذا حدث ذلك وكيف يمكن منع تكراره؟.
وتتجلى أهمية هذا التوجه في مختلف القطاعات من خلال تعزيز التحول الرقمي وربط القرارات بالبيانات ورفع كفاءة الإدارة ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى مفهوم "سجل الأداء والمساءلة الإدارية” حيث إن هذا السجل لا يقوم على الإقصاء أو العقاب بل على التوثيق والتحليل والمتابعة بحيث تُسجل حالات القصور الإداري المثبتة بشكل موضوعي مع بيان أسبابها ونتائجها والإجراءات التي تم اتخاذها لمعالجتها ضمن إطار قانوني يضمن الشفافية وإعادة التقييم.
والهدف من هذا السجل لا يقتصر على التوثيق بل يمتد إلى بناء ذاكرة مؤسسية وطنية تساعد صناع القرار على فهم ما حدث فعلاً وتمنع تكرار الأخطاء نفسها في مؤسسات مختلفة أو في فترات زمنية متعاقبة كما يسهم في رفع جودة القرار الإداري وتحسين كفاءة الإنفاق وتعزيز إدارة الموارد البشرية وتقليل الهدر الناتج عن سوء التقدير أو ضعف المتابعة أو غياب التقييم الموضوعي.
وعند النظر إلى التجارب الدولية نجد أن الاتجاه العالمي يتجه بوضوح نحو التخلي عن الأدوات التقليدية والانتقال إلى أنظمة الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال، ففي العديد من دول الاتحاد الأوروبي يتم التركيز على الوقاية من الأخطاء قبل وقوعها من خلال تحليل المخاطر، وفي المملكة المتحدة تعتمد المؤسسات العامة على سجلات للمخاطر التنظيمية لرصد مواطن الخلل مبكراً أما في الولايات المتحدة فتوجد قواعد بيانات للأداء والامتثال مرتبطة بأنظمة تدقيق ومراجعة مستمرة، في حين نجحت سنغافورة في بناء نموذج إداري متقدم يقوم على مؤشرات دقيقة وتدخل مبكر لمعالجة الانحرافات قبل تفاقمها وتجمع هذه التجارب على فكرة أساسية واحدة الانتقال من ثقافة من أخطأ إلى ثقافة أعمق وأكثر فائدة لماذا حدث الخطأ وكيف نمنعه مستقبلاً وكيف نحول التجربة إلى تحسين دائم.
إن حماية المال العام ورفع كفاءة المؤسسات لا تتحقق فقط بتوفير الموارد بل بحسن إدارتها فكل قرار غير مدروس وكل مشروع متعثر وكل إخفاق يتكرر دون مراجعة ينعكس مباشرة على جودة الخدمات وكفاءة الأداء وثقة العاملين والمجتمع ومن هنا فإن إنشاء "سجل وطني للأداء والمساءلة" يمثل استثماراً استراتيجياً في تطوير الدولة وتعزيز استدامة التنمية.
وفي المحصلة فإن التحول من "القائمة السوداء” إلى "سجل الأداء والمساءلة الإدارية” ليس مجرد تغيير في المصطلح بل هو تغيير في الفلسفة الإدارية نفسها من إدارة تعاقب النتائج إلى إدارة تمنع الأسباب ومن ثقافة الإقصاء إلى ثقافة التعلم ومن التعامل مع الفشل كوصمة إلى اعتباره فرصة للإصلاح والتحسين وبهذا النهج يمكن بناء منظومة أكثر عدلاً وشفافية وكفاءة تحفظ الخبرة وتدعم القرار وتحد من كلفة الأخطاء المتكررة وتمنع تدوير الفشل الإداري في المؤسسات كما هو حال بعض بيئات العمل الحالية.