اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

حسام عايش : الاقتصاد الأردني.. نمو رغم تباطؤ المنطقة

حسام عايش : الاقتصاد الأردني.. نمو رغم تباطؤ المنطقة
أخبارنا :  

يواصل الاقتصاد الأردني، اثبات قدرته على الصمود على طريق مسار نمو ايجابي، ما يعكس متانة الاسس الاقتصادية التي يستند عليها، والقدرة على التعامل مع الصدمات الخارجية بكفاءة، هذه خلاصة تقرير صادر عن البنك الدولي بشأن الاقتصاد الاردني.

النتيجة الاقتصادية الهامة هذه، تكتسب وقعها، عند مقارنتها بالبيئة الاقتصادية المحيطة، فبينما خفضت المؤسسات الدولية ومنها البنك الدولي توقعاتها لنمو العديد من دول المنطقة والعالم، لا يزال الاردن يحافظ على معدلات نمو ايجابية تتراوح بين 2.6 % و2.8 % خلال عام 2026 بحسب تقديرات البنك وصندوق النقد والبنك الاوروبي لاعادة الاعمار والتنمية، مقابل توقعات بتباطؤ نمو منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا الى نحو 1.6% فقط خلال العام نفسه، وتراجع النمو العالمي الى نحو 2.5 %.

هذه المقارنة تظهر بوضوح ان الاقتصاد الاردني يحقق نموا يفوق متوسط النمو الإقليمي، ويزيد عن متوسط النمو العالمي، ما يعكس حقيقة ان الاقتصاد لم يعد يتفاعل مع الصدمات من موقع ضعف بل من موقع القادر على هضمها، والتكيف معها، وتقليل تداعياتها.

فرغم التاثير المباشر للحرب على قطاع السياحة وكلف الطاقة والشحن والتامين، واضطراب سلاسل الامداد وارتفاع معدلات التضخم العالمية لم يشهد الاردن اختلالات اقتصادية جوهرية، او يتعرض لاستنزاف احتياطياته النقدية، او يعاني من ضغوط على استقرار عملته الوطنية، حتى مع تعرض الحساب الجاري لضغوط نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات وتباطؤ بعض التدفقات الاقتصادية المرتبطة بالمنطقة وارتفاع سعر الدولار، حيث تشير تقديرات البنك الدولي الى ان هذه العوامل ساهمت في خفض توقعات النمو لعام 2026 من نحو 3 % قبل اندلاع الحرب الى ما يقارب 2.7 % حاليا، وهو تباطؤ محدود نسبيا اذا ما قورن بحجم الصدمة والخسائر الاقتصادية التي تواجهها المنطقة ، يعود الى المرونة الاقتصادية التي لم تكن وليدة الحالة الراهنة بل خلاصة مضمون عملية اقتصادية متكاملة، حسنت من الأداء، وطورت من الإنجاز، وراكمت من الخبرات متمثلة بالسياسات النقدية والمالية الحصيفة التي مكنت من المحافظة على معدلات تضخم منخفضة دون 2 % رغم موجات التضخم العالمية، والمحافظة على مستويات مرتفعة من الاحتياطيات الاجنبية تجاوزت 27 مليار دولار، وقطاع مصرفي اثبت قدرته على التعامل مع الظروف الاستثنائية الامر الذي ساعد في استمرار تدفق التمويل للقطاع الخاص، والحفاظ على الاستقرار المالي حتى في ظل تصاعد حالة عدم اليقين الاقليمي.

يضاف لذلك سرعة استجابة الحكومة لمواجهة التداعيات المحتملة للحرب على الاقتصاد وعلى المواطنين، حيث اتخذت سلسلة من الاجراءات الاستباقية لضمان امن الطاقة والحفاظ على المخزون الاستراتيجي من السلع الاساسية والوقود، ما ساهم بتخفيف اثار الانقطاعات المؤقتة في امدادات الغاز الطبيعي، وضمان استمرارية سلاسل الامداد والتزويد، وهو ما اشاد به البنك الدولي والبنك الاوروبي لاعادة الاعمار والتنمية، باعتباره عاملا اساسيا في الحد من تداعيات اقتصادية كان يمكن لها ان تكون اكثر كلفة.

أي ان الاستعدادات المسبقة، وردود الحكومة السريعة، ابقت الاثار السلبية محصورة ضمن حدود تمكن للاقتصاد التعامل معها دون المساس باستقراره الكلي، مدعوما باستمرار تدفق الدعم الدولي وثقة المؤسسات المالية العالمية، ما عزز القدرة على تجاوز هذه المرحلة باقل قدر ممكن من الخسائر.

ولعل قراءة البنك الدولي والمؤسسات المالية العالمية لتكيف الاقتصاد مع التحديات لم تعد تقتصر على اعتباره اقتصادا يدير الازمات فقط، بل اقتصادا يمتلك فرصا حقيقية لاستعادة الزخم الاقتصادي فور انحسار التوترات الإقليمية واقتصادا يراهن عليه لسرعة العودة الى مساره الطبيعي.

فالبنك الدولي يتوقع عودة النمو الى مسار تصاعدي تدريجي ليصل الى نحو 3 % بحلول عام 2028، بينما يؤكد صندوق النقد الدولي ان الاصلاحات المالية والهيكلية الجارية ستسهم في تعزيز قدرة القطاع الخاص على توفير فرص العمل، وتحقيق معدلات نمو اعلى في المستقبل جنبا الى جنب مع استمرار الاصلاحات المرتبطة بتحسين بيئة الاعمال، وتعزيز المنافسة، ومرونة سوق العمل، وتطوير قطاعات المياه والطاقة والبنية التحتية، لدعم النمو المستقبلي.

فهذه الاصلاحات لا تستهدف فقط معالجة التحديات الراهنة، بل تهدف الى رفع القدرة الانتاجية للاقتصاد، وتعزيز جاذبيته للاستثمار المحلي والاجنبي على المدى الطويل، وزيادة قدرته على مواجهة تداعيات الازمات والاضطرابات وغيرها.

لا شك هنا ان التحديات ما زالت قائمة، فارتفاع المديونية وعجز الموازنة يفرضان ضغوطا حقيقية على الاقتصاد، غير ان الفارق اليوم في ان الاردن يدخل هذه المرحلة وهو يمتلك مؤسسات مالية ونقدية اكثر قوة وخبرة، وقطاعا مصرفيا متينا، وبرنامجا اصلاحيا يحظى بدعم ومتابعة داخلية وخارجية كبيرة .

في المحصلة، تؤكد تقديرات البنك الدولي، وقبلها مراجعة صندوق النقد الدولي، وتقارير البنك الاوروبي لاعادة الاعمار والتنميةوغيره، ان الاقتصاد الاردني الذي مر بأكثر من اختبار نجح بتخطيها محافظا على مسار النمو والاستقرار. وقد تكون كلفة النجاح مرتفعة نسبيا احيانا نتيجة الظروف الاستثنائية، الا ان المؤشرات تدل على ان الاقتصاد يمتلك من المرونة والقدرة على التكيف ما يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة واستعادة زخم النمو تدريجيا، وهذا بحد ذاته حسب البنك الدولي، دليل على نضج الاقتصاد، وقدرته على مواجهة الصدمات، والمحافظة على النمو، حتى في اكثر الأوقات صعوبة وضبابية.

المعيار الحقيقي لنجاح الاقتصادات، لا يقاس بقدرتها على النمو في الظروف الطبيعية، بل بقدرتها على المحافظة على الاستقرار واستعادة الزخم في اوقات الازمات، وهو ما يشير اليه بوضوح تقييم البنك الدولي للاقتصاد الاردني اليوم.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك