جهاد المنسي : الاستثنائية.. فرصة لتأسيس دور للكتل الحزبية
تمثل الدورة الاستثنائية المرتقبة لمجلس الأمة اختبارًا سياسيًا وتشريعيًا مهمًا لأداء مجلس النواب، وللقدرة الحقيقية للكتل الحزبية على الانتقال من مرحلة الحضور العددي لمرحلة التأثير النوعي، فالقوانين المنتظرة، وفي مقدمتها الإدارة المحلية والملكية العقارية، تضع النواب أمام مسؤولية إنتاج حوار وطني وتشريعي رفيع المستوى ينسجم مع مسار التحديث السياسي ويعزز ثقة الأردنيين بالمؤسسة البرلمانية.
من هنا فإن المأمول من هذه الدورة ألا تكون مجرد استجابة لاستحقاق دستوري، بل أن تتحول لمساحة حقيقية للنقاش العميق والمسؤول، وفرصة لإظهار الفارق بين برلمان يقوم على الاجتهادات الفردية وآخر تقوده كتل حزبية وبرامج سياسية واضحة.
فالإصلاح السياسي الذي دخل مرحلة التنفيذ يحتاج لترجمة عملية تحت القبة، تبدأ من جودة النقاشات، وتمر بقدرة الكتل على بلورة مواقفها، وتنتهي بتقديم تشريعات أكثر نضجًا واتساقًا مع متطلبات الدولة الحديثة.
الأنظار تتجه في الدورة المرتقبة بالنصف الأول من الشهر المقبل لرصد الكيفية التي سيدار بها النقاش، وقدرة الكتل الحزبية على تقديم نموذج جديد في العمل البرلماني قائم على البرامج والرؤى والتوافقات الوطنية، فنجاح المجلس في هذه المهمة سيعني أن مشروع التحديث السياسي بدأ ينعكس فعليًا على الأداء البرلماني، والأحزاب والكتل النيابية تسير نحو لعب الدور الذي أريد لها أن تؤديه في الحياة السياسية الأردنية.
تكتسب الدورة الاستثنائية أهميتها أيضًا من طبيعة القوانين المتوقع أن تتصدر جدول أعمالها؛ فمشروع قانون الإدارة المحلية لا يمثل مجرد تعديل تشريعي، بل يفتح الباب أمام مراجعة تجربة الإدارة المحلية برمتها، والبحث في سبل تعزيز دور المجالس المنتخبة وتحسين كفاءة الخدمات وتوسيع قاعدة المشاركة في صناعة القرار التنموي، أما مشروع قانون الملكية العقارية، فهو من التشريعات ذات الأثر المباشر على بيئة الاستثمار والاقتصاد الوطني، ويرتبط بملفات تنظيم الملكيات وتبسيط الإجراءات وتحديث الإدارة العقارية بما ينسجم مع متطلبات النمو الاقتصادي.
ومن هنا، فإن التعامل مع هذه القوانين يجب أن يتجاوز القراءة التقليدية للنصوص القانونية إلى نقاشات أكثر عمقًا تتناول الأهداف والنتائج المتوقعة والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية المترتبة عليها؛ فالمجلس لا يؤدي دوره الحقيقي عندما يكتفي بالموافقة أو الرفض، بل عندما يصبح منصة للحوار الوطني المسؤول القادر على إنتاج أفضل الحلول والتوافقات.
فالتحديث السياسي لم يكن هدفه زيادة عدد الأحزاب داخل البرلمان فحسب، وإنما بناء حياة سياسية قائمة على البرامج والتنافس حول الأفكار والرؤى؛ ولذلك فإن الدورة الاستثنائية تمثل فرصة عملية للكتل الحزبية لإثبات قدرتها على قيادة النقاشات التشريعية وتقديم البدائل والمقترحات وصياغة المواقف الجماعية التي تعبر عن برامجها السياسية.
الحياة البرلمانية شهدت على مدار سنوات طويلة حضورًا واسعًا للاجتهادات الفردية، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب ترسيخ ثقافة العمل الجماعي والمؤسسي؛ والمواطن الذي تابع مسار التحديث السياسي ينتظر اليوم أن يرى انعكاس ذلك داخل قبة البرلمان من خلال نقاشات أكثر تنظيمًا، ومواقف أكثر وضوحًا، وأداء أكثر ارتباطًا بالبرامج لا بالأفراد.
وإذا كان من المبكر الحكم على التجربة الحزبية داخل المجلس الحالي، فإن الاستثنائية المقبلة قد تكون أول اختبار حقيقي لها؛ فالقضايا المطروحة ليست هامشية أو عابرة، بل ترتبط بملفات إصلاحية وتنموية أساسية، ما يجعل من طريقة إدارة النقاشات حولها مؤشرًا مهمًا على اتجاهات العمل البرلماني خلال السنوات المقبلة.
ولهذا، فإن الاستثنائية المرتقبة تبدو أكثر من مجرد دورة تشريعية؛ إنها فرصة لتأسيس دور حقيقي للكتل الحزبية، وفرصة للمجلس كي يؤكد أنه شريك أساسي في مسيرة الإصلاح الوطني، وإذا نجح في ذلك، فإنه لن ينجز قوانين مهمة فقط، بل سيسهم في ترسيخ ثقافة سياسية جديدة قوامها الحوار المسؤول، والتشريع الرصين، والعمل المؤسسي القادر على مواكبة تطلعات الأردنيين نحو دولة أكثر كفاءة وتمثيلًا وفاعلية.