د. خالد الشقران : بين تباطؤ النمو العالمي وصمود الأردن.. ماذا تكشف تقديرات البنك الدولي؟
حمل تقرير "الآفاق الاقتصادية العالمية" الصادر عن البنك الدولي رسالتين متوازيتين تبدوان للوهلة الأولى متناقضتين؛ الأولى عالمية تحمل قدراً كبيراً من القلق، والثانية أردنية تعكس قدراً من الثقة بقدرة الاقتصاد الوطني على مواصلة النمو رغم التحديات، وبين الرسالتين تتشكل صورة أوضح لما ينتظر الأردن خلال السنوات المقبلة سياسياً واقتصادياً وتنموياً.
ففي تقريره الأخير، خفض البنك الدولي توقعاته للنمو العالمي لعام 2026 إلى 2.5%، وهو من أضعف معدلات النمو المسجلة منذ جائحة كورونا، محذراً من التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط وما رافقها من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، واضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، وزيادة الضغوط التضخمية، وارتفاع تكاليف الاقتراض، كما أشار التقرير إلى أن ثلثي اقتصادات العالم شهدت خفضاً في توقعات النمو مقارنة بالتقديرات السابقة، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي يواجهها الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، أظهر التقرير نفسه أن الأردن يسير في اتجاه مختلف نسبياً؛ إذ توقع البنك الدولي استمرار تعافي الاقتصاد الأردني بصورة تدريجية خلال السنوات المقبلة، مع ارتفاع معدل النمو من 2.7% في عام 2026 إلى 2.9% في عام 2027 وصولاً إلى 3% بحلول عام 2028، وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة عندما توضع في سياق إقليمي وعالمي يشهد تباطؤاً واسعاً وعدم يقين متزايداً.
وتشير هذه التقديرات إلى أن الأردن نجح حتى الآن في الحفاظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي رغم تأثره المباشر بالتطورات الإقليمية، فعلى الرغم من مواجهة المملكة تحديات مشابهة لما تواجهه دول المنطقة، تتمثل في ارتفاع أسعار النفط والطاقة، وزيادة تكاليف الشحن والنقل، وتراجع النشاط الاقتصادي الإقليمي، إضافة إلى الضغوط التي تتعرض لها التحويلات المالية والتجارة الخارجية، يرى البنك الدولي أن الاقتصاد الأردني سيواصل النمو بوتيرة تصاعدية، وهو ما يعكس متانة المؤسسات الاقتصادية وقدرتها على إدارة الأزمات والتكيف مع المتغيرات.
سياسياً، وعلى الرغم من أن الأردن يقع في منطقة تتأثر بشكل مباشر بالحروب والصراعات، إلا أن هذه المؤشرات تحمل دلالة مهمة تتعدى الجانب الاقتصادي، ليظهر معها الاستقرار الأردني كقيمة استراتيجية بحد ذاته، فالتقديرات الإيجابية الصادرة عن مؤسسة دولية بحجم البنك الدولي تعكس ثقة المجتمع الدولي بقدرة الأردن على الحفاظ على استقراره المالي والنقدي والمؤسسي رغم وجوده وسط محيط إقليمي شديد الاضطراب، كما تعزز من مكانة المملكة كشريك موثوق وقادر على استقطاب الاستثمارات والمساعدات والشراكات الاقتصادية طويلة الأمد.
أما على المستوى التنموي، فإن تقرير البنك الدولي يقدم رسالة مزدوجة، فمن جهة، يؤكد أن الاقتصاد الأردني يمتلك مقومات تسمح له بمواصلة النمو، ومن جهة أخرى، يشير إلى أن هذا النمو سيبقى معرضاً للمخاطر الخارجية ما لم تتواصل جهود الإصلاح الاقتصادي وتعزيز الإنتاجية وتوسيع قاعدة الاستثمار والتصدير، خاصة وأن التباطؤ العالمي المتوقع يعني منافسة أشد على الاستثمارات وتراجعاً في الطلب الخارجي، الأمر الذي يستدعي تسريع تنفيذ مشاريع التحديث الاقتصادي وتنويع مصادر النمو.
كما يلفت التقرير الانتباه إلى فرص يمكن للأردن الاستفادة منها ارتفاع أسعار الأسمدة عالمياً نتيجة اضطرابات الإمداد الذي قد ينعكس إيجاباً على صادرات المملكة من الفوسفات والبوتاس والأسمدة، بما يسهم في تخفيف جزء من الضغوط الناتجة عن ارتفاع فاتورة الطاقة والاستيراد.
في المحصلة، تكشف تقارير البنك الدولي عن مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي يخفض فيه توقعاته للنمو العالمي ويحذر من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد الدولي، فإنه يبدي تفاؤلاً تجاه الاقتصاد الأردني ويتوقع استمرار نموه خلال السنوات المقبلة، وعلى الرغم من أن ذلك لا يعني غياب التحديات، إلا أنه يؤكد أن الأردن استطاع حتى الآن بناء قدر من المرونة الاقتصادية والمؤسسية يجعله أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات، فيما يبقى الرهان الحقيقي على استمرار وتيرة العمل الجاد بالنهج نفسه لتحويل هذا الصمود إلى نمو مستدام ينعكس على فرص العمل ومستويات المعيشة ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات المستقبلية. ــ الراي