أ. د. مصطفى محمد عيروط : البطالة… قنبلة اجتماعية أم فرصة لإعادة بناء التعليم وسوق العمل؟
البطالة ليست مشكلة محلية تخص دولة بعينها، بل هي تحدٍّ عالمي يؤرق الحكومات والمجتمعات لما لها من آثار اقتصادية واجتماعية وأمنية ونفسية
.
ولذلك فإن مسؤولية معالجتها لا تقع على وزارة واحدة أو مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية دولة ومجتمع ومؤسسات تعليمية وقطاع خاص وإعلام ومراكز دراسات وخبراء.
وتؤكد التقارير الدولية أن البطالة ما زالت تشكل تحدياً عالمياً رغم التقدم الاقتصادي والتكنولوجي. ففي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) يبلغ متوسط البطالة نحو 5%، بينما تنخفض في دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية إلى أقل من 3%، في حين ما زالت دول أخرى مثل إسبانيا وفنلندا تسجل معدلات تقارب 10% أو أكثر. كما أن بطالة الشباب عالمياً تبقى الأعلى، إذ يتجاوز متوسطها في دول OECD نسبة 11%، وهي ضعف أو أكثر من معدلات البطالة لدى الفئات العمرية الأكبر.
وتجربة الدول الناجحة تؤكد أن الحل لا يبدأ من مكاتب التشغيل فقط، بل من التعليم نفسه. فالتغيير المجتمعي عالمياً يتجه نحو التعليم التطبيقي والتقني والمهني المرتبط مباشرة بحاجات السوق، مع توفير رواتب مجزية وأمان وظيفي وتأمين صحي وضمان اجتماعي يجعل هذه المهن خياراً جاذباً لا اضطرارياً.
وفي مختلف دول العالم أصبح القطاع الخاص المشغل الأول للخريجين، لكنه لا يبحث عن الشهادات فقط، بل عن الكفاءات والمهارات والقدرة على العمل والإنتاج. ولذلك نجد أن بعض الجامعات والكليات العالمية يتم توظيف خريجيها خلال أيام أو أسابيع قليلة من التخرج بسبب جودة برامجها وارتباطها المباشر باحتياجات سوق العمل.
ومن هنا فإن المهمة الأساسية للجامعات والكليات لم تعد مجرد تخريج الطلبة، بل إعدادهم للعمل الفوري داخل الوطن وخارجه. كما يجب أن يصبح من أهم معايير تقييم الجامعات والإدارات الجامعية نسبة تشغيل خريجيها في سوق العمل، لا عدد الخريجين فقط.
وقدمت دول عديدة نماذج ناجحة في مواجهة البطالة. فاليابان وألمانيا اعتمدتا على التعليم المهني والتدريب المزدوج والشراكة الحقيقية بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص، ما ساهم في تحقيق معدلات بطالة منخفضة. كما نجحت إسبانيا خلال السنوات الأخيرة في خفض البطالة إلى أقل من 10% بفضل إصلاحات سوق العمل وزيادة فرص العمل الدائمة ودعم النمو الاقتصادي والاستثمار.
وفي المقابل، فإن التعامل مع البطالة من خلال الخطابات الانفعالية أو فوضى التصريحات أو المزايدات الإعلامية لا ينتج حلولاً، بل قد يؤدي إلى زيادة الإحباط والتذمر واستغلال معاناة الشباب لأهداف سياسية أو تحريضية من ظلاميين واقصائيين .
وقد شهد العالم في مراحل مختلفة كيف استغل البعض من ظلاميين واقصائيين قضايا البطالة والفقر لإثارة الفوضى بدلاً من تقديم الحلول الواقعية.
إن معالجة البطالة تحتاج إلى دراسات علمية معمقة، والاستماع إلى مختلف الآراء والخبرات، واتخاذ قرارات مدروسة تشارك في تنفيذها جميع المؤسسات المعنية. كما تحتاج إلى إعلام مسؤول يمارس التفكير الناقد ويطرح الحلول والبدائل بدلاً من جلد الذات أو نشر السلبية.
و تبقى البطالة أولوية وطنية وقضية أمن اقتصادي واجتماعي في كل دول العالم. والدول التي نجحت في مواجهتها لم تعتمد على الشعارات، بل على التعليم النوعي، والتدريب، والاستثمار، والشراكة مع القطاع الخاص، والتخطيط طويل المدى.
فالبطالة ليست قدراً محتوماً، بل تحدياً يمكن تحويله إلى فرصة عندما تتكامل الرؤية والإرادة والعمل